قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى - منتديات أبناء جزيرة بدين

 

 



 عدد الضغطات  : 7213

 عدد الضغطات  : 6984



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
#1  
قديم 08-19-2010, 12:47 AM
Image Hosted by
د. عبدالوهاب الزين غير متصل
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل : Dec 2008
 فترة الأقامة : 3984 يوم
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم : 14
 معدل التقييم : د. عبدالوهاب الزين is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



مقدمة
إن مسألة التمازج القومي والانتماء الوطني والوحدة الوطنية من أهم القضايا السودانية الراهنة التي تتطلب دراسات علمية جادة من أجل الوصول إلى حل حاسم لهذه المسألة من جميع جوانبها. وتأتي ضمن هذه المسألة ، الصراعات القبلية بتجذراتها وأسبابها المختلفة كواحدة من الروافد الأساسية التي تؤرق كمال الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي. إن تجذرات هذه الصراعات حسب ما تتناوله هذه الدراسة، تعود إلى عوامل تاريخية صدر عنها فهم خاطئ لأصول القبلية في السودان. ونتجت عن هذا الفهم الخاطئ مؤشرات نفسية بجانب المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، والتي من شأنها العمل على تكريس الفرقة والتشتت بين التعدديات القبلية والاثنية المختلفة في السودان . هذه المؤشرات أدت إلى بروز فجوات وحواجز نفسية بين التعدديات القبلية . وفي ظل هذه الفجوات ظهرت اتجاهات تعبر عن سلوك قبلي يطغى على اتجاهات تعبر عن السلوك القومي في أوساط بعض السودانيين منتجاً أحقاداً قبلية وجهوية امتدت إلى جانب ما يدور من صراع دموي بين الشمال والجنوب ، إلى نوع من الصراع بين التكوينات القبلية داخل الأقاليم الشمالية والجنوبية كل على حدة .
إن الدولة السودانية الراهنة أصبحت بتعددياتها المختلفة واقعاً تمثل فيه التاريخ المشترك . ومصيراً تحزمه المصلحة الاقتصادية المشتركة . وتراهن هذه الدولة في استقرارها السياسي وتطورها وتحديثها على وحدة أراضيها وتعايش قومياتها . لذا فإن كل مستدعيات التجزئة وأسبابها ستبقى موضع نظر ودراسة وتمحيص . وكل العوامل التي من شانها العمل على تعزيز السلوك القومي وتنمية التوجهات الإيجابية نحو التكامل والوحدة موضع اهتمام الباحثين .
إن الساحة السودانية شهدت العديد من المحاولات والتجارب والاتفاقيات لإنهاء الصراعات التي تدور بين التعدديات القبلية والجهوية . وللوصول إلى كمال الوحدة الوطنية ركزت تلك التجارب في معالجاتها على العوامل الموضوعية ذات الصلة بالعوامل الاقتصادية والسياسية والإدارية . إلا أن الوحدة الوطنية التي تأتي في إطار التكامل القومي ليست نتاجاً آلياً لعمليات فنية وإدارية ،وليست اتفاقيات تكفلها مواثيق محلية ودولية ، وليست محصلة لإصلاحات اقتصادية وسياسية فحسب ، وإنما هي قبل كل ذلك شعور إنساني ينبع من إرادة الأفراد ونواياهم لقبول بعضهم البعض ، واستعدادهم العقلي والنفسي لممارسة الحياة مع بعضهم داخل كياني وطني واحد . ترقية مثل هذه المشاعر تتطلب دراسات وافية لنفسية الإنسان السوداني ، وفهماً واعياً من جانب السودانيين لذاتيتهم وخصوصيتهم التاريخية ولطبيعة المواقف التي تؤثر على توجهاتهم نحو الآخرين من أبناء وطنهم .
إن التعايش القومي المنشود يجب أن يكون مصحوباً بإدراك معرفي جديد للجذور التاريخية لأسباب التنافر والتي أدت بدورها إلى خلق التوجهات القبلية والجهوية وإلى وجود نوع من السلوك الاستعلائي لدى بعض السودانيين على أوهام من التفوق العرقي أو الثقافي . وهذا ما يستوجب قراءة موضوعية للتطور التاريخي للذات القبلية في السودان، لاحلال وعي معرفي يؤكد انتفاء عامل التفوق والنقاء العرقي والقبلي في البيئات السودانية. واستناداً على نظرية المعرفة الطاردة، يتغير المجال الادراكي المحصور في التقوقع الذاتي، ويحدث تعديل في المكون الانفعالي ومن ثم السلوكي للانتقال من الذاتية القبلية والجهوية إلى الذاتية القومية الشاملة . كما يجب أن تواكب مرحلة الوعي المعرفي أسس حركية تحدث نوعاً من الاتصال والتواصل بين التكوينات المتصارعة لإحداث نوع من التحلل في أبنية التمركز حول الذات القبلية والجهوية لتفعيل نسق جديد من القيم القومية والمعايير الوطنية. ولاشك أن المواقف القسرية التي تتعرض لها البلاد وضرورة مجابهتها، تعتبر من ضمن هذه الأسس الحركية التي تنمي الإحساس الجماعي بالحاجة إلى التواصل والتعاون والتكاتف تحت مظلة وطن واحد. وقد يؤدي مثل هذا الإحساس إلى إعادة النظر في تصور البعض لذواتهم القبلية والجهوية ومفاهيمهم عن الآخرين ومن ثم إعادة النظر في نظم القيم ومعايير الذاتية القبلية، ونظم التنشئة الاجتماعية المرتبطة بذلك والتي تؤثر سلباً على مجمل السلوك القومي.
في هذا الإطار تأتي هذه الدراسة ، إيماناً من الباحث ، أنها إضافة جديدة لتراث الدراسات التي حاولت معالجة قضية التعايش القومي والوحدة الوطنية في السودان . وتركز هذه الدراسة على العوامل التي تنمي مشاعر السودانيين من جانبيها التاريخي والحركي والمتمثلين في إعادة قراءة التاريخ السودان والتأكيد على دور التداخلات السكانية في ترقية الوجدان القومي. فإن كانت المعالجات السابقة تركز على الجوانب الموضوعية ذات الصلة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والثقافية ، فإن هذه الدراسة تركز على العوامل الذاتية (subjective factors) ، وترتبط ببعض المضامين النفسية والسلوكية والقيم الخاصة بالشخصية السودانية ذات الطابع القبلي وإمكانية تغييرها إلي شخصية ذات طابع قومي .



 توقيع : د. عبدالوهاب الزين


رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 10:57 PM   #2
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



(الحلقة الثانية )


المعالجات الموضوعية لقضية التمازج القومي

والانتماء الوطني السوداني
تتناول هذه الحلقة والحلقة التالية العوامل الموضوعية المحسوسة التي ركز عليها الفاعلون السياسيون في السودان فكان أن جوبهوا بكثير من الاخفاقات فجاء اليوم يتباكون على دولة موحدة أضاعوها ولم يتمكنوا من صيانتها بحكم سكوتهم عن كوامن نفسية ستظل في النفوس ما لم يعترفوا بخيبة السكوت.
---------------------------------

إن معظم الدراسات التي تناولت قضية التمازج القومي والوحدة الوطنية في السودان ، ركزت على العوامل الموضوعية (objective factors) ذات الصلة بالعامل الثقافي والديني والعرقي وعامل اللغة والاقتصاد وتجاهلت إلى حد كبير العوامل الذاتية . ورغم أن معالجة هذه العوامل الموضوعية لها انعكاساتها وتأثيرها الملموس على التكامل القومي ، إلا أنها ليست كافية لتنمية الذات القومية ما لم تتكامل مع العوامل الذاتية وتعمل على نموها وتطورها. إن التسامح الديني والتنمية الاقتصادية المتوازنة والشراكة اللغوية والتوزيع العادل للثروة والسلطة ، كلها عوامل تفضي إلى نوع من الشعور بالرضا بين التعدديات السكانية . إلا أنها لن تؤدي إلى التكامل المنشود بين هذه التعدديات ما لم يواكبها سلوك قومي نابع من نفسية الإنسان السوداني بعيداً عن أي نوع من التعصب والسلوك القبلي الاستعلائي القائم على علية من التفوق العرقي والثقافي.
إن العوامل الموضوعية التي تتناولها معظم الدراسات السودانية ، والتي ترتكز بوجه خاص على ما يلي ، يمكن تحليلها لتأكيد عدم كفايتها لكمال الوحدة الوطنية في السودان .
عامل الأرض والتاريخ المشترك :
الإقليم أو الأرض هو الإطار القانوني والسياسي الذي تمارس عليه الدولة الوطنية سيادتها . وبدون الأرض يظل الحديث عن الدولة تهافتاً عن شعب بلا وطن .كما تظل الأرض من دون شعب وسيادة أمة عليها خارجة عن مفهوم الدولة وأعرافها . ومن هنا جاء ربط مفهوم الدولة بمفهوم الأمة . فإن كانت الدولة هي الكيان السياسي المستقل بحدودها في إطار إقليم مأهول بشعب ولها حق السيادة داخل حدودها ورعاية شئونها الخارجية ، فإن الأمة التي وجدت داخل تلك الحدود هي الوحدة السياسية التي تتمتع بممارسة تلك السيادة وترعى شئونها الخارجية .
هذه الأمة التي قد لا تجمعها ثقافة مشتركة ولغة واحدة ودين مشترك، قد تتمتع بإحساس قوي بالرابطة الوجدانية والانتماء للأرض بحكم وجودها داخل حدود مشتركة.
إن الحديث عن الدولة السودانية في فترات تاريخية معينة كان تعبيراً عن أمم سادت بعضاً من الحدود السياسية الحالية . وفي فترات لاحقة أصبح الحديث عن حدود سياسية في إطار وادي النيل الذي يضم مصر والسودان وشعوبهما . ثم اصبح الحديثً عن السودان المستقل بحدوده الجغرافية الراهنة وفي إطار ثقافته الخاصة . وقد انعكست تلك الرؤى في مرحلة ما قبل الاستقلال في الخلافات بين من يرون في الشعبين السوداني والمصري خصائص تعمل على توحدهما ، وبين المؤيدين لوحدة واستقلال الإقليم السوداني بشعبه الذي يتميز بخصوصياته الثقافية وبتاريخه المشترك. تباينت الرؤى وانعكست على مواقف وكتابات المثقفين السودانيين وفي نتاجهم الأدبي والسياسي في مرحلة ما قبل الاستقلال السياسي . فنجد على سبيل المثال ، محمد أحمد محجوب يدافع عن الذاتية الاستقلالية للسودان وثقافته بقوله : " لا احسبني سآتي بجديد إذا ناديت بأن الشعب السوداني يجب أن تكون له ثقافته الخاصة به فذلك شئ في عداد البديهيات(1)."
إن التاريخ المشترك الذي يستند إليه البعض في تعزيز الرابطة الوطنية ، يعكس أشواق الأمة واعتزازها بتراثها الحضاري وافتخارها بجذورها التاريخية . وفيما يرى البعض عدم المغالاة في تقدير قيمة هذا العامل كإطار قومي لجمع كلمة الأمة ، يرى فيه البعض رابطة هامة من الروابط التي تجمع القوميات التي تشترك في هذا التاريخ .فنجد بعض الباحثين من أمثال مدثر عبد الرحيم يرون أن الذين يزعمون أن مجتمعاتهم بنيت على أسس قومية منذ أقدم العصور ، يسرفون في زعمهم(2) نظراً لما يحدثه التاريخ نفسه من تغيير وتبديل في بنية القوميات فتتداخل قوميات جديدة قد لا تشترك مع القوميات السابقة في عنصر الإرث التاريخي . أما الذين يتبنون المنهج التاريخي في تحليلاتهم القومية من أمثال يوسف فضل، يرون أن وجود السودانيين كأمة ، وجود تاريخي وليس رد فعل لحدث جغرافي أو سياسي طارئ(3). هذا الوجود التاريخي يعزز نظرية التكوينات السودانية , البشرية والثقافية وتمازجها عبر الأزمان لإنتاج الخاصية السودانية كهوية مميزة تختلف عن عناصر مكوناتها ، وإن كانت تحمل في خواصها بعضاُ من سمات هذه العناصر *إن الاعتراف بمثل هذه الأمور كفيل بتعديل الوجدان السوداني والارتقاء بمسلكياته الجهوية نحو الذاتية القومية في إطار الدولة السودانية .
عامل اللغة :
فردينادو سوسور المؤسس لعلم اللسانيات يعرف اللغة بأنها النظام الذي يدعم تأويل الخطاب الخاص في إطار جماعة معينة تتميز بنسق من العلاقات ، وترتبط أمرها بتوفر مجموعة من العبارات التي لها دور أساسي في سيرورة الجماعة الاجتماعية (4) وهي وسيلة انتقال وبث الثقافات والوعاء الذي تعبر من خلالها المعتقدات والآراء(5) واللغة بمفرداتها وبالمفاهيم التي تصيغها تشكل إدراك المتحدثين بها واتجاهاتهم واستجاباتهم نحو المجتمع الذي ينتمون إليه . وهي بذلك مكون أساسي من مكونات ثقافة جماعة بشرية معينة وطرق حياتها. وبهذا المفهوم تساعد اللغة في تحديد هوية الجماعات البشرية وانتمائها المكاني والعرقي والثقافي . وقد تقوم الجماعات الثقافية بالدفاع عنها والمحافظة عليها كعنصر أساسي من عناصر ثقافتهم . كما قد تتخلى عنها تلك الجماعة في سبيل القبول والاندماج في جماعة ثقافية أخرى(6).
اللغة ليست دائماً ترتبط بالمجال المكاني فقد تنتقل عبر المهاجرين وعبر الاستعمار من مكان إلى آخر. كما أنها ليست دائماً جامدة تحتفظ بمفرداتها كجذور ثابتة ولكنها تتطور وتتعدل لتقابل مقتضيات التطور التاريخي . كما وأن مقومات اللغة لا تشكل أفقاً منغلقاً بقدر ما تطرأ عليها تحولات تتناسب صياغتها مع الموضوعات الاجتماعية المواكبة . ومثلما قد تتطور اللغة ، فإن بعض اللغات التي سادت في عصور معينة تموت وتنتهي في عصور لاحقة فنجد اليوم حوالي 6000 لغة مازالت حية من جملة اللغات التي تراوحت ما بين 10000 و15000 في عصور ما قبل التاريخ(7).
تاريخياً شهد السودان سيادة لغات محلية عديدة قبل دخول العربية كلغة غالبة لمعظم أهل السودان . فعلى سبيل المثال يذهب بعض الباحثين إلى أن اللغة النوبية سيطرت كلغة تخاطب بعد زوال اللغة المروية وتنشر اليوم من كوم أمبو شمالاً إلى الغدار جنوباً.كما انتقلت مع هجرات النوبة الداخلية إلى أواسط السودان وإلى شمال كردفان في منطقة جبل حراز وشمال دارفور عند جبل ميدوب .
بعد دخول المسيحية السودان حوالي القرن السادس الميلادي ومع الحاجة إلى فهم تعاليمها بترجمتها إلى اللغة النوبية ، استعارت اللغة النوبية الحروف القبطية وأضيفت إليها حروف أخرى من اللغة الديموطيقية مما جعلها لغة كتابة وقراءة بعد أن كانت لغة شفهية للتخاطب فقط .
بدخول العرب المسلمين السودان ، أصبحت اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ، تمثل قيمة جديدة لدى المحليين الذين أسلموا لفهم الدين الجديد وتعاليمه . ومن ثم اصبح تعليمها مواكباً لضرورة حفظ القرآن في الخلاوي القرآنية التي انتشرت في البلاد . إلا أن ألفاظ العربية ومخارج حروفها تأثرت باللكنات المحلية السائدة وما زال هذا التأثير بايناً في أوساط الذين استعربوا على مستوى الثقافة من أولئك المحليين .
مع التطور التاريخي والسياسي نحو الدولة الوطنية ، ومع ضرورة وجود وسيط لغوي تأمن التواصل الداخلي والتفاهم بين القوميات التي جمعتها الدولة الوطنية ، أصبحت هناك حاجة لتدريس اللغة العربية في المدارس النظامية. هذا أدى إلى الانتشار التدريجي للغة العربية كلغة مشتركة ( Lingua franca) لا على حساب اللغات المحلية ولكن جنب إلى جنب مع هذه اللغات مع التأثير عليها والتأثر بها . فدخلت الكثير من المفردات العربية إلى معاجم تلك اللغات المحلية كما تأثرت اللغة العربية ببعض المفردات المحلية في مناطق التماس مع مناطق هذه اللغات المحلية . بتأثير من الألسنة المحلية ولهجاتها تشكلت فيما بعد اللهجة العربية السودانية المميزة عن اللهجات العربية في البلاد العربية الأخرى ، كنظام لغوي للمعاملات الشعبية اليومية في المناطق الحضرية المختلطة القوميات وفي المناطق البدوية ذات الطابع العروبي في الأرياف . فيما أصبحت اللغة العربية الفصحى تستعمل في الخطاب الديني والرسمي وفي نظم التعليم والتربية .
بانضمام الجنوب السوداني بلغاته المتعددة ومع التواصل التجاري ، نقل التجار الشماليون مفردات اللغة العربية بلكنة محلية تطورت فيما بعد ومع مزيد من التواصل إلى ما يعرف اليوم " بعربي جوبا ".
في مرحلة لاحقة وبدخول السودان تحت الحكم الثاني ، حدث تطور جديد في نمط السلوك اللغوي حين بدت اللغة الإنجليزية رمزاً للهيبة النخبوية (prestige) لدى طبقة المتعلمين السودانيين باعتبارها وسيلة إلى المجالات الوظيفية المرموقة ، دون أن يكون لها دور بارز في أوساط العامة من غير المتعلمين . كما أصبحت اللغة الإنجليزية لغة التعليم الكنسي في الجنوب على حساب اللغة العربية ولسان صفوته من الجنوبيين الذين نالوا قسطاً من التعليم . وفيما بدا الانحسار التدريجي للغة الإنجليزية فيما بعد مع حركة التعريب في المدارس الثانوية في الشمال ، ظلت اللغة الإنجليزية في الجنوب في الانتشار في ظل عدم الثقة في العروبيين الشماليين ولغاتهم .
في إطار الدولة القومية تكمن أهمية اللغة في اعتبارها وسيلة الاتصال والتفاهم بين أفراد المجتمع . ويرى بعض الباحثين فيها معياراً حقيقياً للانتماء القومي . ولعل من أهم الباحثين السياسيين الذين أكدوا على أهمية اللغة ودورها كوسيلة اتصال تقلل من مخاطر التعدد القومي في الدولة الوطنية ، عالم السياسة الأمريكي كارل دويتش وذلك في إطار نظريته العامة للاتصالات . لقد تأثر دويتش بنموذج الضبط والاتصال الذي طوره نوربرت واينر كما تأثر بكتابات تالكوت بارسونز في فهمه للدور الفعال الذي تقوم به نظم الاتصالات في الدول متعددة القوميات . ويرى أن وجود نظام اتصالات فعال من ضمنه عامل اللغة ، ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الوطنية والتجانس القومي(8). من جانبهم تناول بعض المتخصصين في علوم اللغات ومن المهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي في السودان قضية اللغة في إطارها التعددي ما بين هيمنة لغة الأغلبية والتعايش الأخوي بين اللغات السائدة . وبهذا الصدد ، تناول الباحث السوداني عشاري أحمد محمود في دراسة له عن جدلية الوحدة والتشتت ، دور اللغة ووجودها المادي الفاعل في الكل الاجتماعي . فنجده يستلهم مقولات لويس التوسير ويقترح إدراج الظاهرة اللغوية كمستوى ممارسة لسانية لها ذاتيتها وفاعليتها داخل المنظومة الكلية وترتبط نظرياً وعملياً بعلائق جدلية بمستوى الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ويرى أن "قضايا الوحدة الوطنية في السودان ، ومن حيث أنها ترتبط بالممارسات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية ، لن تكتمل في غياب حل لقضية اللغة المتجذرة أصلاً من تفاعلات تلك الممارسات(9)".
في المجتمعات متعددة اللغات كالمجتمع السوداني ، وفي حال فرادة الجماعة العرقية بلغتها الخاصة ، تتحول اللغة إلى ظاهرة تتأصل بها العرقيات وتكون رمزاً لتعبئة الشعور العرقي عند تصاعد الصراعات بين الجماعات المختلفة . ولعل مما يدل على ذلك الحرب الأهلية التي شنها الباسكيون من أجل الانفصال على أساس لغوي . وانطلاقاً من هذه الإشكالية ، يتناول عشاري تحليلاً موضوعياً لقضية الهيمنة اللغوية في السودان ويذهب إلى القول بإمكانية الانتقال التدريجي من اللغات المحلية إلى اللغة العربية وأن عملية انتشار اللغة العربية على حساب اللغات المحلية وانحسارها ، عمليتان مترابطتان تاريخياً . هذه العملية التي ترتكز ، حسب رأيه ، علي أسس مادية تتصل بأصول جذرية بخلخلة الأسس الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية الداعمة للغات المحلية ، عملية حتمية ما لم تعمل الظروف السياسية علي إعادة إنتاج تلك الأسس المادية الداعمة لسريان اللغات المحلية كما هي في حالة تمفصل الأطراف الإقليمية المميزة بلغاتها المحلية(10). إلا أنه من غير المؤكد وفي ظل الظروف الراهنة التي تعمل في اتجاه إحياء اللغات المحلية ، أن يكون للغة العربية دور فاعل في تعبئة الحس القومي في أوساط الأقليات السودانية التي تعتز بلغاتها المحلية . ولعلنا نجد في سياسات الأقلمة الحالية، تشجيعاً في اتجاه انبعاث اللغات المحلية ولاسيما إذا ما سعت بعض الجامعات الإقليمية إلى تدريس اللغات المحلية وبذلت جهوداً لتحديثها للإنتاج الكتابي لاستيعاب التراث المحلي ( جامعة دنقلا وفكرة تدريس اللغة النوبية مثال على ذلك )، عندئذ وفي ظل ازدهار الوعي بقيمة اللغات المحلية كوعاء للتراث الشعبي والفنون المحلية ، لن تكون اللغة العربية ونزوعها إلى احتكار السوق اللسانية، عاملاً حاسماً في بنية الوعي القومي في السودان .
إن المسألة التي تثير الجدل بين القوميات المختلفة في إطار الدولة القومية هي فرض لغة قومية معينة كلغة رسمية للدولة (official language) كما هي الحال في الولايات المتحدة .ففي الولايات المتحدة بالرغم من أن دستور الولايات المتحدة وقوانينها الفدرالية لا تحدد لغة رسمية ورغم أن حوالي 18% من المقيمين بها يتحدثون بلغات غير الإنجليزية ، فإن المعارضين للاعتراف الضمني بالتعدد الغوي في نظم التعليم والامتحانات ،يرون ضرورة الاعتماد على اللغة الإنجليزية وحدها باعتبارها ضماناً للوحدة الوطنية (Unifying glue of the United States) وصيانة لعملية الأمركة والتوجهات نحو التثاقف الأمريكي (acculturation)التي تتبناها القوميات المختلفة والتي قد تتعرض لنوع من الانهيار مع تشجيع حركة التعدد اللغوي في المعاملات الرسمية . تمكن هؤلاء رغم اعتراض كثير من الاثنيات من تمرير قانون "رسمية اللغة الإنجليزية " في 23 ولاية أمريكية في بداية التسعينيات من القرن العشرين (11) المعارضون لرسمية اللغة الإنجليزية في هذه الولايات يرون أن هذه القوانين تكرس العنصرية والتمييز العرقي .
اشكالية اللغة الرسمية واعتبار اللغة العربية لغة رسمية كما ورد في دستور 1973وفي دستور السودان الانتقالي ، لا تشكل جدلاَ كبيراً كما هي الحال في بعض البلدان الأخرى . إذ أنه بجانب اللغة العربية هناك اعتراف ضمني باللغة الإنجليزية كلغة للتعليم في الجنوب إلى جانب أنها تسري في الشمال ليست كلغة رسمية ولكن كلغة نخبوية وكوسيلة للبحوث العلمية. ولا نعتقد أن وجود اللغة الإنجليزية كلغة رسمية في الجنوب يثير الحفيظة الوطنية باعتبارها لغة أجنبية . فكثير من البلدان تبنت لغات غير وطنية لغات رسمية لها . في نيجيريا على سبيل المثال حوالي 350 لغة محلية أهمها لغات الهوسا واليوربا واليبو . ومع ذلك تظل اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد .
كما وأن الاعتراف بلغتين رسميتين في السودان لا يخرج عن الإطار المتبع في دولة مثل كندا التي تعترف حسب تشريع اللغة الرسمية الصادر 1969 باللغة الفرنسية كلغة رسمية في مقاطعة كويبك واللغة الإنجليزية في المقاطعات الأخرى من البلاد ..أما اللغات المحلية الأخرى في السودان ، وعلى العكس من اللغات المتواجدة في الولايات المتحدة ما زالت لغات مخاطبة فقط في حدود الأقليات التي تتحدث بها ومازالت أية واحدة منها غير قابلة لأن تكون لغة مشتركة( mutually incomprehensible ) . هذا الأمر يعيق الاعتراف بأي منها لغة للمعاملات العامة أو الرسمية .
هذه العوامل الموضوعية لقضية اللغة في السودان والمتمثلة في رسمية اللغة والتي غالباً ما يركز عليها المهتمون بمعالجتها ، لا تشكل إلا قدر يسيرا من الأهمية في مسالة التكامل القومي في السودان . لذلك يمكن غض النظر عن إشكالية ثنائية اللغة الرسمية وغض النظر حتى عن التمايز ومواطن الاختلاف بين اللغة العربية والإنجليزية وإمكانات تعلمهما في السودان . ولعل من أخطر انعكاسات قضيا اللغة على عملية التكامل القومي في السودان، تلك المشروعات المضمرة للتعريب الشامل من بعض الأفراد والذي يجري تحقيقه – على حد تعبير عبد الله بولا- عبر حملة ضروس من الإساءات والنيل من قدر اللغات الأخرى .كما ظهرت في سطور بعض الأوراق التي قدمت في مؤتمر التفاعل بين الثقافات السودانية التي عقدت في الخرطوم عام 1979(12). وتمثل مثل هذه المشاريع خطراً أفدح عندما تضمن في اجندة السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي على مستوى المؤسسات الرسمية وفي برامج الأحزاب السياسية مع تجاهل تام لمساندة وتطوير اللغات المحلية الأخرى . فإذا كان نشر اللغة العربية في الجنوب وفي جبال النوبة -حسب برنامج حزب الاتحاد الديمقراطي – يعتبر جهاداً أو ينظر إلى انتماء السودان القومي في إطار الهوية العربية على أساس أن العربية اكتساب الغالبية حسب برنامج نهج الصحوة لحزب الأمة ، وعندما يوصي مكتب التوثيق التربوي بضرورة إلحاق الأطفال بالمدارس في المناطق الناطقة باللغات غير العربية في سن أبكر من رفاقهم في المناطق الناطقة باللغة العربية حتى لا تتمكن منهم العجمة (13) فإن مثل هذه التوجهات تمثل خطراً حقيقياٌ على قضية التكامل القومي وتنعكس سلباً على توجهات المتحدثين باللغات الأخرى نحو اللغة العربية. لكل ذلك ينبغي النظر عند معالجة قضية اللغة في السودان في العوامل غير البنيوية المندمجة في العلاقة التي يقيمها الناطقون اللغات المختلفة مع بعضهم البعض . إن مما يعيق التكامل القومي ، سلوك الأفراد المتمثل في الاستعلاء اللساني واعتبار اللغات المحلية الأخرى مجرد رطانات تعيق مسيرة الوحدة الوطنية مما يستوجب تخطيها كما يزعم أبو سم (14) عندما لا يتم الاعتراف بلغة الآخر و يستعلي المتحدثون بالعربية – مثلاً-على المتحدثين باللغات الأخرى ويعتبرونهم غلف اللسان وبرابرة ، يحدث التصادم بين أولئك وأولئك . وبالمثل عندما يتحدثون الجنوبيون بعربيتهم المتميزة ، ويكونون عرضة للسخرية ، تتطور عندهم اتجاهات معادية للغة العربية. إن معالجة هذه القضية تكمن في الاعتراف المتبادل بلغة الآخر وأصالتها وقدرتها على صيانة ثقافته وتراثه. يتم مثل هذا الاعتراف عندما تتجاور وتتداخل هذه اللغات وتتفاعل مع التداخلات السكانية في إطار المكان ( Spatial interaction) ليخلق نوعاً من القرابة بين اللغات المحلية المختلفة ويحدث تعديلاً في السلوك الاستعلائي للمتحدثين باللغتين العربية والإنجليزية. بجانب التداخلات السكانية بلغاتهم في إطار المكان الجغرافي، كذلك يمكن مجالات أخرى للتداخلات اللغوية عن طريق أجهزة الإعلام المركزية والمحلية وتقديم برامج تعريفية باللغات المحلية المختلفة وفتح منابر إعلامية لهذه اللغات لتعبر عن نفسها وتقدم تراثها الفني والثقافي لكل أبناء السودان.





















(1) محمد أحمد محجوب ، مجلة الفجر ، العدد الثامن عشر ، المجلد الأول ، 1935 ، ص 857 .

(2) مدثر عبد الرحيم ، " فكرة الوحدة الوطنية " في:العجب أحمد الطريفي ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، الخرطوم ، مجلس دراسات الحكم الإقليمي ، جامعة الخرطوم ،1988، ص 12 .

(3) يوسف فضل حسن ، " مفهوم الأمة السودانية بمنظور تاريخي " ، في : العجب أحمد الطريفي ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص 32.

*تم تناول هذا العامل بالمزيد من التفصيل في هذه الدراسة ضمن الفصل الخاص بتطور الذات القبلية في السودان .

(4) بيار أشار ، سوسيولوجيا اللغة ، تعريب : عبد الوهاب تزو ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1996، ص ص 14،15.

(5)Fellmann J. D., Getis, A, and Getis, J, Human Geography: Landscape of Human Activities, 7th ed., NY., McGraw-Hill, 2003, p140.

(6)Ibid. , p .142.

.(7) Ibid.p.43.

(8) للمزيد حول هذه النظرية ، أنظر :
Deutch, K.W., Nationalism and Social Communications, Cambridge, M.I.T. Press, 1966, pp. 100-108.

(9) عشاري أحمد محمود ، "جدلية الوحدة والتشتت في قضايا اللغة والوحدة الوطنية في السـودان" ، فـي: العجب أحمد الطريفي ( محرر) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص ص 141-142 .

(10) المرجع السابق ، ص ص 149- 152 .

(11)Fellmann., op. cit., p.159.

(12)عبد الله بولا ، شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان :أطروحة في أن الغول لم يهبط إلينا من السماء ، مجلة مسارات جديدة ،إصدار إعلام لواء السودان الجديد ، أسمرا ، العدد الأول ، أغسطس ، 1998، ص 53.

(13) أنظر : عشاري أحمد محمود ، " أوضاع اللغات الأقلية ومستقبلها في السودان " ندوة الأقليات في الوطن العربي ن الجمعية العربية للعلوم السياسي وقسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم ن 28 فبراير إلى مارس 1988، ص ص 11-14

(14) أبوسم ، التعدد الثقافي وقضية الوحدة الوطنية في السودان ، مجلة الثقافة السودانية ، العدد 12 ، نوفمبر 1979، ص 85.

(15) محمد أحمد بيومي ، علم الاجتماع الديني ، الإسكندرية ، دار المعرف الجامعية ن2003، ص 47.

(16) عمر فروخ ،عبقرية العرب في العلم والفلسفة ، بيروت ، المكتبة العصرية ،ط4، 1985، ص 195.

(17)) عون الشريف قاسم ،" الدين والوحدة الوطنية " في : العجب أحمد الطريفي ، ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص ص 132 –134 .

(18) نفسه .

(19) فراسوا بورجا ، الإسلام السياسي : صوت الجنوب ، ترجمة : لورين زكرى ، دار العالم الثالث 1972، ص 71.

(20) رافائيل ك. بادال ، " قيود النظرية والممارسة الديمقراطية في السودان " ، ترجمة : مجدي النعيم ، في :حيدر إبراهيم على (محرر)، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، القاهرة ، مركز الدراسات السودانية ، 1993، ص ص 118 – 121 .

(21) أنظر :
Hollis, R. Lynch, Selected Published Writings of E.W. Blyden, London, Black spokesman, Frank Cass &Co., 1971, pp. 278, 287-288.

(22) لاسكي، هارولد، أصول السياسية، ترجمة:إبراهيم لطفي ومحمود فتحي، القاهرة ، دار المعارف, 196، ص 120 .

(23) Kane, H. The Hour of Departure: Forces that Create Refuges and Migrants , Worldwatch 125, June 1995, p.14.

(24) محمد هاشم عوض ، " السياسات الاقتصادية والوحدة الوطنية " مرجع سابق ، ص ص102- 103.

(25)المرجع السابق

(26) عبد العزيز كامل ، دراسات في الجغرافيا البشري للسودان ، المنظم العربية للتربية والثقافة والعلوم ، القاهر ، دار المعارف بمصر ، 1972،ص 113 .

(27) محمد هاشم عوض ، مرجع سابق ، ص106- 108 .

(28) المرجع السابق ، ص 110.

(29) للمزيد حول هذه السياسة ، أنظر: المرجع السابق ، ص 112 .

(30)Renner, M.," Breaking the Link Between Resources and repression" in: C. Flavin (ed), State of the world 2002, N.Y. London, W.W. Notron & Co., 2002,p149.

(31) Russell, Bertrand, Mortals and others, Vol. 2, N.Y., The Bertrand Peace Foundation Ltd., 1989, p.31, 32.

(32) Ibid

(33) مالك أبوشهيوة وآخرون ، الأيديولوجيا والسياسة ، سرت ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ، 1993 ، ص 325.

(34) شريف حرير ، " هل هي عنصرية في قناع إسلامي ؟ تراجع القومية وانبعاث الاثنية في دارفور " في :حيدر إبراهيم (محرر) ، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، أبحاث ندوة تقييم التجارب الديمقراطية في السودان ، القاهرة ، مركز الدراسات السودانية ، 1993 ، ص ص 339- 341 .

(35) عبد الله علي إبراهيم ، الثقافة والديمقراطية في السودان ، القاهرة ، دار الأمين ، 1996، ص 24 .

* يرى البعض من أمثال مختار عجوبة أن أجندة شعراء الغابة والصحراء لا ترقى إلى مستوى المدرسة وإنما هي مجرد أطروحة وذلك لعدم قدرتها على التبلور مع الواقع وعدم استمراريتها . بجانب أن أنصارها لم يتجاوزوا في عددهم محمد المكي ومحمد عبد الحي والنور عثمان أبوبكر .

(36) عبد الله بولا ،" شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان :أطروحة في أن الغول لم يهبط إلينا من السماء " ، مجلة مسارات جديدة ، إصدار إعلام لواء السودان الجديد ، أسمرا ، العدد الأول ، أغسطس ، 1998، ص ص 50-53 .

(37) عابدون أقاو جوك نيال ، " تجربة السودان الديمقراطية من منظورين شمالي وجنوبي " ترجمة : مجدي النعيم ، في : حيدر إبراهيم علي (محرر) ، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي وآفاق المستقبل ، القاهرة، مركز الدراسات السودانية ، 1993، ص 328 .

(38) المرجع السابق ، ص 329




 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 10:57 PM   #3
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



(الحلقة الثانية )


المعالجات الموضوعية لقضية التمازج القومي

والانتماء الوطني السوداني
تتناول هذه الحلقة والحلقة التالية العوامل الموضوعية المحسوسة التي ركز عليها الفاعلون السياسيون في السودان فكان أن جوبهوا بكثير من الاخفاقات فجاء اليوم يتباكون على دولة موحدة أضاعوها ولم يتمكنوا من صيانتها بحكم سكوتهم عن كوامن نفسية ستظل في النفوس ما لم يعترفوا بخيبة السكوت.
---------------------------------

إن معظم الدراسات التي تناولت قضية التمازج القومي والوحدة الوطنية في السودان ، ركزت على العوامل الموضوعية (objective factors) ذات الصلة بالعامل الثقافي والديني والعرقي وعامل اللغة والاقتصاد وتجاهلت إلى حد كبير العوامل الذاتية . ورغم أن معالجة هذه العوامل الموضوعية لها انعكاساتها وتأثيرها الملموس على التكامل القومي ، إلا أنها ليست كافية لتنمية الذات القومية ما لم تتكامل مع العوامل الذاتية وتعمل على نموها وتطورها. إن التسامح الديني والتنمية الاقتصادية المتوازنة والشراكة اللغوية والتوزيع العادل للثروة والسلطة ، كلها عوامل تفضي إلى نوع من الشعور بالرضا بين التعدديات السكانية . إلا أنها لن تؤدي إلى التكامل المنشود بين هذه التعدديات ما لم يواكبها سلوك قومي نابع من نفسية الإنسان السوداني بعيداً عن أي نوع من التعصب والسلوك القبلي الاستعلائي القائم على علية من التفوق العرقي والثقافي.
إن العوامل الموضوعية التي تتناولها معظم الدراسات السودانية ، والتي ترتكز بوجه خاص على ما يلي ، يمكن تحليلها لتأكيد عدم كفايتها لكمال الوحدة الوطنية في السودان .
عامل الأرض والتاريخ المشترك :
الإقليم أو الأرض هو الإطار القانوني والسياسي الذي تمارس عليه الدولة الوطنية سيادتها . وبدون الأرض يظل الحديث عن الدولة تهافتاً عن شعب بلا وطن .كما تظل الأرض من دون شعب وسيادة أمة عليها خارجة عن مفهوم الدولة وأعرافها . ومن هنا جاء ربط مفهوم الدولة بمفهوم الأمة . فإن كانت الدولة هي الكيان السياسي المستقل بحدودها في إطار إقليم مأهول بشعب ولها حق السيادة داخل حدودها ورعاية شئونها الخارجية ، فإن الأمة التي وجدت داخل تلك الحدود هي الوحدة السياسية التي تتمتع بممارسة تلك السيادة وترعى شئونها الخارجية .
هذه الأمة التي قد لا تجمعها ثقافة مشتركة ولغة واحدة ودين مشترك، قد تتمتع بإحساس قوي بالرابطة الوجدانية والانتماء للأرض بحكم وجودها داخل حدود مشتركة.
إن الحديث عن الدولة السودانية في فترات تاريخية معينة كان تعبيراً عن أمم سادت بعضاً من الحدود السياسية الحالية . وفي فترات لاحقة أصبح الحديث عن حدود سياسية في إطار وادي النيل الذي يضم مصر والسودان وشعوبهما . ثم اصبح الحديثً عن السودان المستقل بحدوده الجغرافية الراهنة وفي إطار ثقافته الخاصة . وقد انعكست تلك الرؤى في مرحلة ما قبل الاستقلال في الخلافات بين من يرون في الشعبين السوداني والمصري خصائص تعمل على توحدهما ، وبين المؤيدين لوحدة واستقلال الإقليم السوداني بشعبه الذي يتميز بخصوصياته الثقافية وبتاريخه المشترك. تباينت الرؤى وانعكست على مواقف وكتابات المثقفين السودانيين وفي نتاجهم الأدبي والسياسي في مرحلة ما قبل الاستقلال السياسي . فنجد على سبيل المثال ، محمد أحمد محجوب يدافع عن الذاتية الاستقلالية للسودان وثقافته بقوله : " لا احسبني سآتي بجديد إذا ناديت بأن الشعب السوداني يجب أن تكون له ثقافته الخاصة به فذلك شئ في عداد البديهيات(1)."
إن التاريخ المشترك الذي يستند إليه البعض في تعزيز الرابطة الوطنية ، يعكس أشواق الأمة واعتزازها بتراثها الحضاري وافتخارها بجذورها التاريخية . وفيما يرى البعض عدم المغالاة في تقدير قيمة هذا العامل كإطار قومي لجمع كلمة الأمة ، يرى فيه البعض رابطة هامة من الروابط التي تجمع القوميات التي تشترك في هذا التاريخ .فنجد بعض الباحثين من أمثال مدثر عبد الرحيم يرون أن الذين يزعمون أن مجتمعاتهم بنيت على أسس قومية منذ أقدم العصور ، يسرفون في زعمهم(2) نظراً لما يحدثه التاريخ نفسه من تغيير وتبديل في بنية القوميات فتتداخل قوميات جديدة قد لا تشترك مع القوميات السابقة في عنصر الإرث التاريخي . أما الذين يتبنون المنهج التاريخي في تحليلاتهم القومية من أمثال يوسف فضل، يرون أن وجود السودانيين كأمة ، وجود تاريخي وليس رد فعل لحدث جغرافي أو سياسي طارئ(3). هذا الوجود التاريخي يعزز نظرية التكوينات السودانية , البشرية والثقافية وتمازجها عبر الأزمان لإنتاج الخاصية السودانية كهوية مميزة تختلف عن عناصر مكوناتها ، وإن كانت تحمل في خواصها بعضاُ من سمات هذه العناصر *إن الاعتراف بمثل هذه الأمور كفيل بتعديل الوجدان السوداني والارتقاء بمسلكياته الجهوية نحو الذاتية القومية في إطار الدولة السودانية .
عامل اللغة :
فردينادو سوسور المؤسس لعلم اللسانيات يعرف اللغة بأنها النظام الذي يدعم تأويل الخطاب الخاص في إطار جماعة معينة تتميز بنسق من العلاقات ، وترتبط أمرها بتوفر مجموعة من العبارات التي لها دور أساسي في سيرورة الجماعة الاجتماعية (4) وهي وسيلة انتقال وبث الثقافات والوعاء الذي تعبر من خلالها المعتقدات والآراء(5) واللغة بمفرداتها وبالمفاهيم التي تصيغها تشكل إدراك المتحدثين بها واتجاهاتهم واستجاباتهم نحو المجتمع الذي ينتمون إليه . وهي بذلك مكون أساسي من مكونات ثقافة جماعة بشرية معينة وطرق حياتها. وبهذا المفهوم تساعد اللغة في تحديد هوية الجماعات البشرية وانتمائها المكاني والعرقي والثقافي . وقد تقوم الجماعات الثقافية بالدفاع عنها والمحافظة عليها كعنصر أساسي من عناصر ثقافتهم . كما قد تتخلى عنها تلك الجماعة في سبيل القبول والاندماج في جماعة ثقافية أخرى(6).
اللغة ليست دائماً ترتبط بالمجال المكاني فقد تنتقل عبر المهاجرين وعبر الاستعمار من مكان إلى آخر. كما أنها ليست دائماً جامدة تحتفظ بمفرداتها كجذور ثابتة ولكنها تتطور وتتعدل لتقابل مقتضيات التطور التاريخي . كما وأن مقومات اللغة لا تشكل أفقاً منغلقاً بقدر ما تطرأ عليها تحولات تتناسب صياغتها مع الموضوعات الاجتماعية المواكبة . ومثلما قد تتطور اللغة ، فإن بعض اللغات التي سادت في عصور معينة تموت وتنتهي في عصور لاحقة فنجد اليوم حوالي 6000 لغة مازالت حية من جملة اللغات التي تراوحت ما بين 10000 و15000 في عصور ما قبل التاريخ(7).
تاريخياً شهد السودان سيادة لغات محلية عديدة قبل دخول العربية كلغة غالبة لمعظم أهل السودان . فعلى سبيل المثال يذهب بعض الباحثين إلى أن اللغة النوبية سيطرت كلغة تخاطب بعد زوال اللغة المروية وتنشر اليوم من كوم أمبو شمالاً إلى الغدار جنوباً.كما انتقلت مع هجرات النوبة الداخلية إلى أواسط السودان وإلى شمال كردفان في منطقة جبل حراز وشمال دارفور عند جبل ميدوب .
بعد دخول المسيحية السودان حوالي القرن السادس الميلادي ومع الحاجة إلى فهم تعاليمها بترجمتها إلى اللغة النوبية ، استعارت اللغة النوبية الحروف القبطية وأضيفت إليها حروف أخرى من اللغة الديموطيقية مما جعلها لغة كتابة وقراءة بعد أن كانت لغة شفهية للتخاطب فقط .
بدخول العرب المسلمين السودان ، أصبحت اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ، تمثل قيمة جديدة لدى المحليين الذين أسلموا لفهم الدين الجديد وتعاليمه . ومن ثم اصبح تعليمها مواكباً لضرورة حفظ القرآن في الخلاوي القرآنية التي انتشرت في البلاد . إلا أن ألفاظ العربية ومخارج حروفها تأثرت باللكنات المحلية السائدة وما زال هذا التأثير بايناً في أوساط الذين استعربوا على مستوى الثقافة من أولئك المحليين .
مع التطور التاريخي والسياسي نحو الدولة الوطنية ، ومع ضرورة وجود وسيط لغوي تأمن التواصل الداخلي والتفاهم بين القوميات التي جمعتها الدولة الوطنية ، أصبحت هناك حاجة لتدريس اللغة العربية في المدارس النظامية. هذا أدى إلى الانتشار التدريجي للغة العربية كلغة مشتركة ( Lingua franca) لا على حساب اللغات المحلية ولكن جنب إلى جنب مع هذه اللغات مع التأثير عليها والتأثر بها . فدخلت الكثير من المفردات العربية إلى معاجم تلك اللغات المحلية كما تأثرت اللغة العربية ببعض المفردات المحلية في مناطق التماس مع مناطق هذه اللغات المحلية . بتأثير من الألسنة المحلية ولهجاتها تشكلت فيما بعد اللهجة العربية السودانية المميزة عن اللهجات العربية في البلاد العربية الأخرى ، كنظام لغوي للمعاملات الشعبية اليومية في المناطق الحضرية المختلطة القوميات وفي المناطق البدوية ذات الطابع العروبي في الأرياف . فيما أصبحت اللغة العربية الفصحى تستعمل في الخطاب الديني والرسمي وفي نظم التعليم والتربية .
بانضمام الجنوب السوداني بلغاته المتعددة ومع التواصل التجاري ، نقل التجار الشماليون مفردات اللغة العربية بلكنة محلية تطورت فيما بعد ومع مزيد من التواصل إلى ما يعرف اليوم " بعربي جوبا ".
في مرحلة لاحقة وبدخول السودان تحت الحكم الثاني ، حدث تطور جديد في نمط السلوك اللغوي حين بدت اللغة الإنجليزية رمزاً للهيبة النخبوية (prestige) لدى طبقة المتعلمين السودانيين باعتبارها وسيلة إلى المجالات الوظيفية المرموقة ، دون أن يكون لها دور بارز في أوساط العامة من غير المتعلمين . كما أصبحت اللغة الإنجليزية لغة التعليم الكنسي في الجنوب على حساب اللغة العربية ولسان صفوته من الجنوبيين الذين نالوا قسطاً من التعليم . وفيما بدا الانحسار التدريجي للغة الإنجليزية فيما بعد مع حركة التعريب في المدارس الثانوية في الشمال ، ظلت اللغة الإنجليزية في الجنوب في الانتشار في ظل عدم الثقة في العروبيين الشماليين ولغاتهم .
في إطار الدولة القومية تكمن أهمية اللغة في اعتبارها وسيلة الاتصال والتفاهم بين أفراد المجتمع . ويرى بعض الباحثين فيها معياراً حقيقياً للانتماء القومي . ولعل من أهم الباحثين السياسيين الذين أكدوا على أهمية اللغة ودورها كوسيلة اتصال تقلل من مخاطر التعدد القومي في الدولة الوطنية ، عالم السياسة الأمريكي كارل دويتش وذلك في إطار نظريته العامة للاتصالات . لقد تأثر دويتش بنموذج الضبط والاتصال الذي طوره نوربرت واينر كما تأثر بكتابات تالكوت بارسونز في فهمه للدور الفعال الذي تقوم به نظم الاتصالات في الدول متعددة القوميات . ويرى أن وجود نظام اتصالات فعال من ضمنه عامل اللغة ، ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الوطنية والتجانس القومي(8). من جانبهم تناول بعض المتخصصين في علوم اللغات ومن المهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي في السودان قضية اللغة في إطارها التعددي ما بين هيمنة لغة الأغلبية والتعايش الأخوي بين اللغات السائدة . وبهذا الصدد ، تناول الباحث السوداني عشاري أحمد محمود في دراسة له عن جدلية الوحدة والتشتت ، دور اللغة ووجودها المادي الفاعل في الكل الاجتماعي . فنجده يستلهم مقولات لويس التوسير ويقترح إدراج الظاهرة اللغوية كمستوى ممارسة لسانية لها ذاتيتها وفاعليتها داخل المنظومة الكلية وترتبط نظرياً وعملياً بعلائق جدلية بمستوى الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ويرى أن "قضايا الوحدة الوطنية في السودان ، ومن حيث أنها ترتبط بالممارسات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية ، لن تكتمل في غياب حل لقضية اللغة المتجذرة أصلاً من تفاعلات تلك الممارسات(9)".
في المجتمعات متعددة اللغات كالمجتمع السوداني ، وفي حال فرادة الجماعة العرقية بلغتها الخاصة ، تتحول اللغة إلى ظاهرة تتأصل بها العرقيات وتكون رمزاً لتعبئة الشعور العرقي عند تصاعد الصراعات بين الجماعات المختلفة . ولعل مما يدل على ذلك الحرب الأهلية التي شنها الباسكيون من أجل الانفصال على أساس لغوي . وانطلاقاً من هذه الإشكالية ، يتناول عشاري تحليلاً موضوعياً لقضية الهيمنة اللغوية في السودان ويذهب إلى القول بإمكانية الانتقال التدريجي من اللغات المحلية إلى اللغة العربية وأن عملية انتشار اللغة العربية على حساب اللغات المحلية وانحسارها ، عمليتان مترابطتان تاريخياً . هذه العملية التي ترتكز ، حسب رأيه ، علي أسس مادية تتصل بأصول جذرية بخلخلة الأسس الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية الداعمة للغات المحلية ، عملية حتمية ما لم تعمل الظروف السياسية علي إعادة إنتاج تلك الأسس المادية الداعمة لسريان اللغات المحلية كما هي في حالة تمفصل الأطراف الإقليمية المميزة بلغاتها المحلية(10). إلا أنه من غير المؤكد وفي ظل الظروف الراهنة التي تعمل في اتجاه إحياء اللغات المحلية ، أن يكون للغة العربية دور فاعل في تعبئة الحس القومي في أوساط الأقليات السودانية التي تعتز بلغاتها المحلية . ولعلنا نجد في سياسات الأقلمة الحالية، تشجيعاً في اتجاه انبعاث اللغات المحلية ولاسيما إذا ما سعت بعض الجامعات الإقليمية إلى تدريس اللغات المحلية وبذلت جهوداً لتحديثها للإنتاج الكتابي لاستيعاب التراث المحلي ( جامعة دنقلا وفكرة تدريس اللغة النوبية مثال على ذلك )، عندئذ وفي ظل ازدهار الوعي بقيمة اللغات المحلية كوعاء للتراث الشعبي والفنون المحلية ، لن تكون اللغة العربية ونزوعها إلى احتكار السوق اللسانية، عاملاً حاسماً في بنية الوعي القومي في السودان .
إن المسألة التي تثير الجدل بين القوميات المختلفة في إطار الدولة القومية هي فرض لغة قومية معينة كلغة رسمية للدولة (official language) كما هي الحال في الولايات المتحدة .ففي الولايات المتحدة بالرغم من أن دستور الولايات المتحدة وقوانينها الفدرالية لا تحدد لغة رسمية ورغم أن حوالي 18% من المقيمين بها يتحدثون بلغات غير الإنجليزية ، فإن المعارضين للاعتراف الضمني بالتعدد الغوي في نظم التعليم والامتحانات ،يرون ضرورة الاعتماد على اللغة الإنجليزية وحدها باعتبارها ضماناً للوحدة الوطنية (Unifying glue of the United States) وصيانة لعملية الأمركة والتوجهات نحو التثاقف الأمريكي (acculturation)التي تتبناها القوميات المختلفة والتي قد تتعرض لنوع من الانهيار مع تشجيع حركة التعدد اللغوي في المعاملات الرسمية . تمكن هؤلاء رغم اعتراض كثير من الاثنيات من تمرير قانون "رسمية اللغة الإنجليزية " في 23 ولاية أمريكية في بداية التسعينيات من القرن العشرين (11) المعارضون لرسمية اللغة الإنجليزية في هذه الولايات يرون أن هذه القوانين تكرس العنصرية والتمييز العرقي .
اشكالية اللغة الرسمية واعتبار اللغة العربية لغة رسمية كما ورد في دستور 1973وفي دستور السودان الانتقالي ، لا تشكل جدلاَ كبيراً كما هي الحال في بعض البلدان الأخرى . إذ أنه بجانب اللغة العربية هناك اعتراف ضمني باللغة الإنجليزية كلغة للتعليم في الجنوب إلى جانب أنها تسري في الشمال ليست كلغة رسمية ولكن كلغة نخبوية وكوسيلة للبحوث العلمية. ولا نعتقد أن وجود اللغة الإنجليزية كلغة رسمية في الجنوب يثير الحفيظة الوطنية باعتبارها لغة أجنبية . فكثير من البلدان تبنت لغات غير وطنية لغات رسمية لها . في نيجيريا على سبيل المثال حوالي 350 لغة محلية أهمها لغات الهوسا واليوربا واليبو . ومع ذلك تظل اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد .
كما وأن الاعتراف بلغتين رسميتين في السودان لا يخرج عن الإطار المتبع في دولة مثل كندا التي تعترف حسب تشريع اللغة الرسمية الصادر 1969 باللغة الفرنسية كلغة رسمية في مقاطعة كويبك واللغة الإنجليزية في المقاطعات الأخرى من البلاد ..أما اللغات المحلية الأخرى في السودان ، وعلى العكس من اللغات المتواجدة في الولايات المتحدة ما زالت لغات مخاطبة فقط في حدود الأقليات التي تتحدث بها ومازالت أية واحدة منها غير قابلة لأن تكون لغة مشتركة( mutually incomprehensible ) . هذا الأمر يعيق الاعتراف بأي منها لغة للمعاملات العامة أو الرسمية .
هذه العوامل الموضوعية لقضية اللغة في السودان والمتمثلة في رسمية اللغة والتي غالباً ما يركز عليها المهتمون بمعالجتها ، لا تشكل إلا قدر يسيرا من الأهمية في مسالة التكامل القومي في السودان . لذلك يمكن غض النظر عن إشكالية ثنائية اللغة الرسمية وغض النظر حتى عن التمايز ومواطن الاختلاف بين اللغة العربية والإنجليزية وإمكانات تعلمهما في السودان . ولعل من أخطر انعكاسات قضيا اللغة على عملية التكامل القومي في السودان، تلك المشروعات المضمرة للتعريب الشامل من بعض الأفراد والذي يجري تحقيقه – على حد تعبير عبد الله بولا- عبر حملة ضروس من الإساءات والنيل من قدر اللغات الأخرى .كما ظهرت في سطور بعض الأوراق التي قدمت في مؤتمر التفاعل بين الثقافات السودانية التي عقدت في الخرطوم عام 1979(12). وتمثل مثل هذه المشاريع خطراً أفدح عندما تضمن في اجندة السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي على مستوى المؤسسات الرسمية وفي برامج الأحزاب السياسية مع تجاهل تام لمساندة وتطوير اللغات المحلية الأخرى . فإذا كان نشر اللغة العربية في الجنوب وفي جبال النوبة -حسب برنامج حزب الاتحاد الديمقراطي – يعتبر جهاداً أو ينظر إلى انتماء السودان القومي في إطار الهوية العربية على أساس أن العربية اكتساب الغالبية حسب برنامج نهج الصحوة لحزب الأمة ، وعندما يوصي مكتب التوثيق التربوي بضرورة إلحاق الأطفال بالمدارس في المناطق الناطقة باللغات غير العربية في سن أبكر من رفاقهم في المناطق الناطقة باللغة العربية حتى لا تتمكن منهم العجمة (13) فإن مثل هذه التوجهات تمثل خطراً حقيقياٌ على قضية التكامل القومي وتنعكس سلباً على توجهات المتحدثين باللغات الأخرى نحو اللغة العربية. لكل ذلك ينبغي النظر عند معالجة قضية اللغة في السودان في العوامل غير البنيوية المندمجة في العلاقة التي يقيمها الناطقون اللغات المختلفة مع بعضهم البعض . إن مما يعيق التكامل القومي ، سلوك الأفراد المتمثل في الاستعلاء اللساني واعتبار اللغات المحلية الأخرى مجرد رطانات تعيق مسيرة الوحدة الوطنية مما يستوجب تخطيها كما يزعم أبو سم (14) عندما لا يتم الاعتراف بلغة الآخر و يستعلي المتحدثون بالعربية – مثلاً-على المتحدثين باللغات الأخرى ويعتبرونهم غلف اللسان وبرابرة ، يحدث التصادم بين أولئك وأولئك . وبالمثل عندما يتحدثون الجنوبيون بعربيتهم المتميزة ، ويكونون عرضة للسخرية ، تتطور عندهم اتجاهات معادية للغة العربية. إن معالجة هذه القضية تكمن في الاعتراف المتبادل بلغة الآخر وأصالتها وقدرتها على صيانة ثقافته وتراثه. يتم مثل هذا الاعتراف عندما تتجاور وتتداخل هذه اللغات وتتفاعل مع التداخلات السكانية في إطار المكان ( Spatial interaction) ليخلق نوعاً من القرابة بين اللغات المحلية المختلفة ويحدث تعديلاً في السلوك الاستعلائي للمتحدثين باللغتين العربية والإنجليزية. بجانب التداخلات السكانية بلغاتهم في إطار المكان الجغرافي، كذلك يمكن مجالات أخرى للتداخلات اللغوية عن طريق أجهزة الإعلام المركزية والمحلية وتقديم برامج تعريفية باللغات المحلية المختلفة وفتح منابر إعلامية لهذه اللغات لتعبر عن نفسها وتقدم تراثها الفني والثقافي لكل أبناء السودان.





















(1) محمد أحمد محجوب ، مجلة الفجر ، العدد الثامن عشر ، المجلد الأول ، 1935 ، ص 857 .

(2) مدثر عبد الرحيم ، " فكرة الوحدة الوطنية " في:العجب أحمد الطريفي ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، الخرطوم ، مجلس دراسات الحكم الإقليمي ، جامعة الخرطوم ،1988، ص 12 .

(3) يوسف فضل حسن ، " مفهوم الأمة السودانية بمنظور تاريخي " ، في : العجب أحمد الطريفي ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص 32.

*تم تناول هذا العامل بالمزيد من التفصيل في هذه الدراسة ضمن الفصل الخاص بتطور الذات القبلية في السودان .

(4) بيار أشار ، سوسيولوجيا اللغة ، تعريب : عبد الوهاب تزو ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1996، ص ص 14،15.

(5)Fellmann J. D., Getis, A, and Getis, J, Human Geography: Landscape of Human Activities, 7th ed., NY., McGraw-Hill, 2003, p140.

(6)Ibid. , p .142.

.(7) Ibid.p.43.

(8) للمزيد حول هذه النظرية ، أنظر :
Deutch, K.W., Nationalism and Social Communications, Cambridge, M.I.T. Press, 1966, pp. 100-108.

(9) عشاري أحمد محمود ، "جدلية الوحدة والتشتت في قضايا اللغة والوحدة الوطنية في السـودان" ، فـي: العجب أحمد الطريفي ( محرر) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص ص 141-142 .

(10) المرجع السابق ، ص ص 149- 152 .

(11)Fellmann., op. cit., p.159.

(12)عبد الله بولا ، شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان :أطروحة في أن الغول لم يهبط إلينا من السماء ، مجلة مسارات جديدة ،إصدار إعلام لواء السودان الجديد ، أسمرا ، العدد الأول ، أغسطس ، 1998، ص 53.

(13) أنظر : عشاري أحمد محمود ، " أوضاع اللغات الأقلية ومستقبلها في السودان " ندوة الأقليات في الوطن العربي ن الجمعية العربية للعلوم السياسي وقسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم ن 28 فبراير إلى مارس 1988، ص ص 11-14

(14) أبوسم ، التعدد الثقافي وقضية الوحدة الوطنية في السودان ، مجلة الثقافة السودانية ، العدد 12 ، نوفمبر 1979، ص 85.

(15) محمد أحمد بيومي ، علم الاجتماع الديني ، الإسكندرية ، دار المعرف الجامعية ن2003، ص 47.

(16) عمر فروخ ،عبقرية العرب في العلم والفلسفة ، بيروت ، المكتبة العصرية ،ط4، 1985، ص 195.

(17)) عون الشريف قاسم ،" الدين والوحدة الوطنية " في : العجب أحمد الطريفي ، ( محرر ) ، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان ، ص ص 132 –134 .

(18) نفسه .

(19) فراسوا بورجا ، الإسلام السياسي : صوت الجنوب ، ترجمة : لورين زكرى ، دار العالم الثالث 1972، ص 71.

(20) رافائيل ك. بادال ، " قيود النظرية والممارسة الديمقراطية في السودان " ، ترجمة : مجدي النعيم ، في :حيدر إبراهيم على (محرر)، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، القاهرة ، مركز الدراسات السودانية ، 1993، ص ص 118 – 121 .

(21) أنظر :
Hollis, R. Lynch, Selected Published Writings of E.W. Blyden, London, Black spokesman, Frank Cass &Co., 1971, pp. 278, 287-288.

(22) لاسكي، هارولد، أصول السياسية، ترجمة:إبراهيم لطفي ومحمود فتحي، القاهرة ، دار المعارف, 196، ص 120 .

(23) Kane, H. The Hour of Departure: Forces that Create Refuges and Migrants , Worldwatch 125, June 1995, p.14.

(24) محمد هاشم عوض ، " السياسات الاقتصادية والوحدة الوطنية " مرجع سابق ، ص ص102- 103.

(25)المرجع السابق

(26) عبد العزيز كامل ، دراسات في الجغرافيا البشري للسودان ، المنظم العربية للتربية والثقافة والعلوم ، القاهر ، دار المعارف بمصر ، 1972،ص 113 .

(27) محمد هاشم عوض ، مرجع سابق ، ص106- 108 .

(28) المرجع السابق ، ص 110.

(29) للمزيد حول هذه السياسة ، أنظر: المرجع السابق ، ص 112 .

(30)Renner, M.," Breaking the Link Between Resources and repression" in: C. Flavin (ed), State of the world 2002, N.Y. London, W.W. Notron & Co., 2002,p149.

(31) Russell, Bertrand, Mortals and others, Vol. 2, N.Y., The Bertrand Peace Foundation Ltd., 1989, p.31, 32.

(32) Ibid

(33) مالك أبوشهيوة وآخرون ، الأيديولوجيا والسياسة ، سرت ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ، 1993 ، ص 325.

(34) شريف حرير ، " هل هي عنصرية في قناع إسلامي ؟ تراجع القومية وانبعاث الاثنية في دارفور " في :حيدر إبراهيم (محرر) ، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، أبحاث ندوة تقييم التجارب الديمقراطية في السودان ، القاهرة ، مركز الدراسات السودانية ، 1993 ، ص ص 339- 341 .

(35) عبد الله علي إبراهيم ، الثقافة والديمقراطية في السودان ، القاهرة ، دار الأمين ، 1996، ص 24 .

* يرى البعض من أمثال مختار عجوبة أن أجندة شعراء الغابة والصحراء لا ترقى إلى مستوى المدرسة وإنما هي مجرد أطروحة وذلك لعدم قدرتها على التبلور مع الواقع وعدم استمراريتها . بجانب أن أنصارها لم يتجاوزوا في عددهم محمد المكي ومحمد عبد الحي والنور عثمان أبوبكر .

(36) عبد الله بولا ،" شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان :أطروحة في أن الغول لم يهبط إلينا من السماء " ، مجلة مسارات جديدة ، إصدار إعلام لواء السودان الجديد ، أسمرا ، العدد الأول ، أغسطس ، 1998، ص ص 50-53 .

(37) عابدون أقاو جوك نيال ، " تجربة السودان الديمقراطية من منظورين شمالي وجنوبي " ترجمة : مجدي النعيم ، في : حيدر إبراهيم علي (محرر) ، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي وآفاق المستقبل ، القاهرة، مركز الدراسات السودانية ، 1993، ص 328 .

(38) المرجع السابق ، ص 329




 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 11:01 PM   #4
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى




(الحلقة الثالثة )

العامل الديني :
ينظر البعض إلى الدين على انه علاقة بين الإنسان مع هو فوق الطبيعة الإنسانية، وأن التجربة الدينية مسألة فردية لا تؤثر في الكل الاجتماعي . مثل هذه النظرة " تقلل أو تتجاهل وربما ترفض الجوانب السوسيولوجية للدين . إلا أن الدين كنسق اجتماعي يدخل في علاقات تفاعلية مع الأنساق الاجتماعية الأخرى داخل المنظومة الكلية للمجتمع
(15) ويعمل الدين كثقافة فرعية مثله مثل اللغة على تحديد هوية جماعة معينة .إلا أنه يختلف عن اللغة في تأثيره على الجماعات الثقافية أو العرقية : فقد تكون اللغة أشمل في تأثيره على تحديد الهوية للجماعة الثقافية كما هي الحال مع العرب المسلمين والمسيحيين في لبنان والذين تجمعهم اللغة العربية وتفرقهم الدين .وفيما يعتبر كل من العامل الديني والعامل اللغوي عاملين منفصلين من خيوط الثقافة إلا أنهما يرتبطان ببعضهما ببعض الأسباب . العامل الديني قد يعمل على انتشار اللغة في أوساط مجموعات لغوية جديدة تعتنق دينا موحى بلغة غير لغة المعتنقين الجدد كما كان الحال عندما أعتنق المحليون السودانيون الدين الإسلامي .
كثير من الدول تعلن عن هويتها الدينة . فنجد الديانة البوذية هي دين الدولة في مينمار ولاوس وتايلاند بينما نجد اندونيسيا ذات الغالبية الإسلامية تعترف بخمس ديانات رسمية . بعض الدول الأخرى لا تعلن عن هويتها الدينية فحسب ، بل يرتبط أسمها بهذه الهوية وتعلن في دساتيرها عن دينها الرسمي . وقد تكون الممارسات السياسية والمعاملات الاقتصادية على هدى من دينها المعلن كما هي الحال في جمهورية إيران الإسلامية .
إن العامل الديني يعتبر من العوامل الهامة في إلهاب المشاعر القومية في الدول التي تتمتع بوحدة العقيدة الدينية . إذ أن العصبية الدينية في مثل هذه الدول تزيد العصبية الوطنية قوة . وإذا كان في أمة ما عصبية قومية " تجانس قومي " ونشأت فيها دعوة دينية ، فإن تلك الدعوة تزيد من عصبيتها القومية (16) . مما يؤكد ذلك ، التجارب التاريخية لحركة الديانة المسيحية بمذاهبها المختلفة والتي أثرت في الانقسامات القومية كما هي الحال في قيام كل من الفرنسيين الكاثوليك والفرنسيين البروتستانت بذبح بعضهم البعض في القرن السادس عشر الميلادي وفي الصراع البروتستانتي الكاثوليكي بين إنجلترا وايرلندا ..
مثلما أدت المذاهب المسيحية إلى كثير من الصراعات الدينية ، كان للدين الإسلامي دور بارز في ظهور بعض الدول القومية وانفصالها عن دول غير إسلامية .فقد انفصلت دولة الباكستان عن الهند بعد جلاء الإنجليز من شبه الجزيرة الهندية عام 1947 وإثر الحركة التي قادها محمد إقبال عام 1948 م .
ومثلما يكون للعامل الديني أثره الفعال في التضامن القومي في الدول أحادية العقيدة ، فإن الدول متعددة الديانات غالباً ما تعاني من صراعات دينية تهدد وحدتها الوطنية ما لم تتخذ تلك الدول ترتيبات تكفل تصالح الديانات وتعايشها في ظل التسامح الديني . ولا أدل على تصارع الديانات داخل الدولة الوطنية من التجربة اللبنانية وصراع الديانات في يوغسلافيا والصراع ما بين أرمينيا وأذربيجان في الاتحاد السوفيتي سابقا، والصراع المسيحي الإسلامي في الفلبين ،وبين البوذيين والهندوس في سريلانكاً . وباسم الدين وحسب معتقداتها ومواقفها من ديانات المجتمع الأخرى وفي وقت يصعب معه خلق كيان قومي خاص ، اعتزلت بعض القبائل عن المجتمع الدنيوي ومارست حياتها بطريقتها الخاصة كما هي الحال مع الأميش الأمريكيين وغيرها من المجتمعات القبلية الدينية الصغيرة .
السودان من جانبه ، كدولة تتعدد فيه الديانات ، لا يخلو في توجهاته القومية من التأثيرات المختلفة للعامل الديني . وفي هذا الإطار قدم عون الشريف قاسم دراسة عن الدين والوحدة الوطنية أكد فيها أن الدين الإسلامي الذي جاء معبراً عن مرحلة وحدة البشر، يحارب كل الدعوات التي تفرق بين البشر على أساس الدين أو العرق أو المركز الاجتماعي، ويعمل على تلاقح الثقافات وتمازج الأجناس والأعراق . ويري أن الإسلام يتحدث عن القومية الإسلامية التي تحقق للمجموعة المحلية التوحد في إطار موضعها الجغرافي والثقافي دون إلغاء لشخصيات الشعوب و موروثاتها الإنسانية ومعطياتها التاريخية والحضارية ما لم تصطدم هذه المعطيات بمبادئها الأساسية ومع الذوق العام والخلق والمنطق . والإسلام بمزجه بين الدين والدنيا يحدث ثورة في طبيعة الفرد وفي طبيعة الجماعة ، يكتسب من خلالها الفرد الطبيعة الجماعية بحكم ما ترسب في ضميره من قيم الدين التي هي في جوهرها قيم الجماعة، "فارتقى بذلك إلى مرتبة (الفرد – المجتمع ) أو ( المواطن- الدولة) الذي هو جماعة في فرد ودولة في ضمير مواطن(17)). ويرى في السودان الحديث نموذجاً للرابط العضوي بين الإسلام وبين فعالية الشخصية القومية بما يمتاز به السودان من سمات بشرية جعل منها الإسلام متكافئة بغض النظر عن الأعراق والألوان(18).
ليس من شك في أن الدين الإسلامي كان له دور فاعل في جمع كلمة السودانيين المسلمين في بوتقة واحدة . ولاشك في أن الإسلام الصوفي والطرق الدينية التي انتشرت في السودان كان لها دور فاعل في التمازج القومي وهدم بنية التعنصر القبلي والإقليمي في السودان الشمالي المسلم . ولا شك في قناعة المسلمين بتعاليم الإسلام وبمبادئه السامية التي أوردها الباحث في دراسته حيال وحدة الإنسانية ولا يبقى سوى قناعة الآخرين من غير المسلمين الذين يشاطرون الوطن ، بهذا الدور للديانة الإسلامية . المثقفون الجنوبيون يتوجسون من الإسلام السياسي الذي يبرر- كما يزعم فرنسوا بورجا - استعمال العنف ضد النظم السياسية التي تحرمه من الوصول إلى الساحة السياسية الشرعية(19). ويرى رافائيل ك. بادال أن الإسلام كدين غالبية في الشمال يمكن أن يوفر في الظروف المواتية الإحساس السياسي بالجماعة الأمة ، ويمكن أن يلعب دوراً كبيراً في التغلب على فجوة الجماهير – النخبة مما يساعد على صياغة الدولة القومية . إلا أنه يرى في الشريعة الإسلامية إشكالية أساسية تكمن في كيفية المواءمة أو التسامح مع الأقلية السكانية المركزة في الثلث الجنوبي من البلاد . ويرى أنها تتحيز في مجال الحريات المدنية وحقوق الإنسان ضد النساء وغير المسلمين . وفي هذا الصدد يستلهم بادال آراء بعض الباحثين المسلمين من أمثال عبدالله النعيم ليؤكد أن غير المسلمين من أهل الكتاب لا يتمتعون في ظل الدولة الإسلامية المحكومة بالشريعة الإسلامية إلا بحقوق أهل الذمة , وأن غير الكتابي لا حقوق له إلا تحت رخصة الأمان التي قد تمنح للمبعوثين والتجار مما يجعل وجودهم التاريخي في بلدان المسلمين من إملاءآت المواءمة السياسية(20).
إن النخبة الجنوبية المتأثرة بالثقافة الكنسية ، لم يكتبوا عن إمكانية تفاعل الإسلام مع المعتقدات الشعبية الأفريقية على غرار ما كان يكتبه الزنجي الكاريبي المسيحي إدوارد ويلموت بليدن الذي انتمى إلى ليبيريا وطن المحررين العائدين إلى الجذور في أفريقيا . إن كتابات بليدن التي نشرها عام 1887 م في كتابه " المسيحية والإسلام والعرق الزنجي " تؤكد على القوة التوحيدية التي يعكسها الإسلام وقدرته على رسم مجتمع عادل وديمقراطي . لقد كان بليدن المسيحي المنجذب إلى الهوية الثقافية العربية الإسلامية ، يبدي خيبته في الارساليين الأوربيين في أفريقيا ويعبر عن إعجابه بدور الإسلام كدين لا يحمل سموم العنصرية Islam does not contain racial poison ، ويقول أن التوجه الإسلامي قد تم تعديله بشكل كبير في أرض الزنج (أفريقيا) لا بطريقة تحط من قدره لتتواءم مع الوثنية الأفريقية ، ولكن بإعادة صياغة التقاليد المحلية حتى تتواءم طبيعة الإسلام المتسامحة مع الروح التصالحية التي تعتبر من سمات الزنوج الأفارقة (21). وعندما ينظر للإسلام من غير المسلمين في السودان من الزاوية التي ينظر منها بليدين وأمثاله ، لن يشكل الإسلام عندئذٍ عائقاً في تكامل القوميات السودانية بقدر ما يكون عاملاً من العوامل التي تعزز الوحدة الوطنية .
العامل الاقتصادي :
يختلف الباحثون في وجهات نظرهم حول أهمية العامل الاقتصادي في تدعيم الوحدة القومية أو تشتيتها . فالماركسيون يعولون على العامل الاقتصادي كمحرك أساسي لمسيرة التاريخ ووقائعه ، ويعتبرون الحركة القومية مرحلة تاريخية من مراحل التطور نحو الأممية الناتج أصلاً من جدلية الصراع حول امتلاك وسائل الإنتاج . من جانب آخر ، يرى البعض في بعض التجارب التاريخية تعليلاً على أولوية العوامل الأخرى كاللغة والدين والعرق على العامل الاقتصادي في قيام الدول القومية . فنجد هارولد لاسكي يرى أن القومية ليست متوقفة على العامل الاقتصادي ، بل هناك عوامل أخرى محركة للقومية وطاغية على العامل الاقتصادي. ويرى في تفكك الإمبراطورية النمساوية – المجرية تضحية بالمصالح الاقتصادية، وانتصاراً لعوامل موضوعية أخرى كالعرق والثقافة(22). ولعل ما يؤكد مثل هذا الزعم تضحية بعض الأقليات القومية بالمقومات الاقتصادية الضخمة التي قد تتمتع بها في ظل دولة متعددة القوميات كما هي الحال في التجربة الانفصالية للقوميات المختلفة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ونضال الكويتيين لأسباب وطنية ليست من ضمنها وحدة الأصل أو العامل الاقتصادي للحفاظ على استقلال الدولة بعيداً عن الهيمنة السياسية لجمهورية العراق .
على النقيض من وجهة نظر لاسكي ، نجد لدى هول كين (Hal Kane) ما يؤكد أولوية العامل الاقتصادي على العامل العرقي . يذهب كين إلى أن الصراع الذي يدور بين التوتسي والهوتو صراع اقتصادي في المقام الأول . مجموعة التوتسي كانت مميزة أكثر من الهوتو خلال فترة الاستعمار بتفضيلات اقتصادية وتعليمية .ويقول أن المجموعتين ليستا مجموعات اثنية بقدر ما ترتبط التسمية بالخلفية الحرفية لكل . تاريخياً فيما تقابل كلمة التوتسي مالك الماشية ، فإن كلمة الهوتو تقابل كلمة المزارع . ورغم أن المجموعتين تشركان في اللغة واحدة ولهما ديانة مشتركة ، بجانب عمليات المصاهرة التي تتم بين المجموعتين ، فقد اندلعت بينهما واحدة من أشرس الحروب الأهلية في أفريقيا بسبب الخلافات الاقتصادية .تلك الخلافات التي تحولت فيما بعد إلى استياء طبقي بين الفقراء والأغنياء أدى بدوره إلى مذابح بين الطبقتين الاقتصاديتين داخل كل مجموعة على حدة(23)..
كذلك نجد الباحث الاقتصادي السوداني ، محمد هاشم عوض يستعرض في دراسة له ، العديد من الأمثلة المعاصرة التي تؤكد أهمية العامل الاقتصادي كدافع لنزوع بعض الأقليات التي تتميز مناطقها بنصيب وافر من الثروة القومية ، إلى الانفصال عن الدولة الأم . من هذه الأمثلة ، الحركة الانفصالية التي قادها الجنرال أوجوكو عام 1967 م في بيافرا ضد هيمنة الهوسة والفلاتة على مواردهم النفطية. وكذلك حركة الأكراد في شمال العراق للمطالبة بأنصبة عادلة من عائدات النفط الذي يتركز في مناطقهم . وبأسباب من تركز المعادن في منطقة كاتنجا من زائير، سعت المنطقة إلى الانفصال , ونجمت عن هذا المسعى حرب أهلية أدت إلى مقتل باتريس لوممبا وتعيين تشومبي رئيساً للوزراء(24). إلا أن تجربة السودان في رأيه ، تختلف عن تلك النماذج رغم أنها قد تتجسم في السودان بعد اكتشاف النفط في بانتيو . ويرى أن المشكلة الأساسية في هذا الصدد ، تكمن في تركيز التنمية الاقتصادية في أواسط السودان وحرمان الأطراف من التطور الاقتصادي الموازي ، وفيما نجم عن ذلك من تأثير سلبي على الوحدة الوطنية . ويرد الباحث مرتكزات الفوارق هذه ، إلي السياسية الاستعمارية التي كرست مقومات الاقتصاد السوداني لخدمة أهدافها الاقتصادية الخاصة(25). لتحقيق هذه الأهداف توسع الاستعمار في زراعة القطن في أرض الجزيرة ودلتا القاش. كما عمل على ربط مناطق إنتاج القطن بشبكة المواصلات الحديدية إلى بمواني التصدير ببورتسودان ووادي حلفا . وبالمثل مد هذه الشبكة بمناطق إنتاج الصمغ العربي بكردفان (26). ولأهداف سياسية تضمن ولاء بعض القطاعات السكانية ، وتكرس مبدأ "فرق تسد" ، عمدت السياسة الاستعمارية إلى خلق طبقة موسرة من زعماء العشائر والزعماء الدينيين ، وخلق إقطاعيات زراعية محلية وأجنبية ترتبط مصالحها بمصالح الاستعمار القائم(27).
يناقش الكاتب استمرار سياسة التمييز الاقتصادي في مرحلة ما بعد الاستقلال ، ويقول أن حكومة عبود جعلت من سياسة التركيز على المناطق الأكثر تطوراً وتحديثاً في أواسط السودان مبدأً أساسيا في تنفيذ الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأعوام 1961-1971. فجاءت الاستثمارات في منطقة الوسط باستكمال امتدد المناقل ومشروع خشم القربة مع توجيه نسبة ضئيلة من الاستثمارات وبما لا تتجاوز مبلغ 3.3 مليون جنيهاً سودانياً من جملة 565 مليون جنيها المعتمدة للخطة لتنمية أطراف البلاد في شكل إنشاء بعض المصانع في مناطق متفرقة كإنشاء مصنع البصل في كسلا والكرتون في أروما وتعليب الفاكهة في كريمة و واو والألبان في بابنوسة (28). ويرى الباحث أن أول محاولة جادة في إطار تحقيق التوازن التنموي بين أقاليم القطر وتعزيز العدالة الاجتماعية وتوطيد الوحدة الوطنية ، كانت ضمن دراسات وقرارات الهيئة القومية للتخطيط التابعة للاتحاد الاشتراكي التي تقدمت بها في يناير 1976. إلا أن الخطة السداسية للتنمية الاقتصادية للأعوام 1977-1983 جاءت مغايرة لما جاءت بهذه الدراسات وتبنت السياسة المعروفة باستراتيجية "رأس الرمح "في التنمية وبحيث تم تركيز التنمية في الوسط في مشروع الرهد ومصانع السكر في عسلاية وكنانة(29).
من هذه الدراسة التي قدمها محمد هاشم عوض ، نستطيع أن نؤكد على دور العامل الاقتصادي وأهميته كعنصر موضوعي في البناء القومي وتدعيم الوحدة الوطنية متى ما كان مبنياً على أسس عادلة بين الأقاليم المختلفة . وأن التنمية الاقتصادية في السودان شابها كثير من التحيز الإقليمي الذي نجمت عنه صراعات وأحقاد اجتماعية تمخضت عنها حركات إقليمية ذات طابع سياسي كحركة الأنيانيا في الجنوب ، ومؤتمر البجا في الشرق ، وسوني في الغرب ، وجبهة نهضة دارفور ، واتحاد عام جبال النوبة . وما لم يعاد النظر في السياسات التنموية وبما يكفل التوزيع العادل لكل أقاليم السودان ، ستظل المشاعر القومية والإحساس بوحدة الوجدان الوطني في السودان ، محفوفة بمخاطر التوجهات الانفصالية التي تهدد الوحدة الوطنية والتكامل القومي . وما لم يحدث تغيير جذري في سياسية تسخير الثروات القومية لخدمة مثلث الوسط إلي تعميمها لخدمة كل السودانيين ، ستظل الأحقاد والإحن من المؤشرات الكامنة في توجهات الأطراف نحو المركز . وقد يزداد الأمر سوءاً عندما يتم تدويل مثل هذه المشكلة ويتم ربطه بقضايا حقوق الإنسان ويستدعي نوعاً من التدخل الخارجي . وفي هذا الصدد وضمن دراسة حديثة لمايكل رنر (2002) ، نجده يؤكد مثل هذا التدخل الخارجي. يرى رنر أن كثيرًا من الصراعات الداخلية والحروب الأهلية تربط بشكل ما بمسألة الموارد الاقتصادية وهيمنة قطاعات سكانية معينة عليها ، وتوجيها لتسليح نفسها ضد القطاعات الأخرى التي تطالب بأنصبة عادلة في هذه الموارد .وهذه العملية حسب رأيه ، نهب غير مشروع يقول رنر أنه في عالم ما بعد الحرب الباردة ، أصبحت الصراعات على الموارد الاقتصادية بديلاً عن الصراعات الأيديولوجية وتربط في كثير من الحالات بالطموحات الخارجية (30).
إن ما تقدم من تحليل يؤكد أهمية العامل الاقتصادي في معالجة التكامل القومي ، إلا أننا نصر على أنه ليس كافياً لخلق الانسجام النفسي بين التعدديات المتنازعة . إن العدوات القبلية والجهوية قد تكون مصدرها الفوارق الاقتصادية ، إلا أن المساواة الاقتصادية وما يتبعها من عدالة في توزيع الثروة ، قد تؤدي إلى مزيد من العدوات في ظل سيادة مفاهيم التفوق والاستعلاء المرتبطة بالأنوية والنرجسية العرقية والقبلية . يقول برتراند راسل أن هناك مشاعر غريزية تخلق العدوات بين الأعراق وتربط المشاعر بالخوف من كل ما يهدد استقرار نظم العلاقات القائمة (31). إن مطالبة المستضعفين اقتصادياً بالعدالة والمساواة مع المهيمنين على الثروة ، لا يعني بالضرورة زوال العداوة بين الطرفين . ولا يعني تحقيق هذه المطالب بالضرورة شيوع المحبة والتآلف والانسجام بينهما . إن البيض في الولايات المتحدة أصبحوا أكثر عدوانية تجاه السود عندما طالب السود بتحقيق المساواة بينهم وبين البيض(32) وقد يحدث في الحالة السودانية أن يتحول الشمال إلى ممارسة نوع من العدوانية تجاه الجنوب ما لم يتم الاعتراف بالمساواة الكاملة بين الطرفين ويقتنع الطرفان بهذه المساواة ويكون سلوك الأفراد في كل جانب على هذا الأساس .
العامل العرقي :
رغم ارتباط كثير من الحركات الانفصالية بالعامل العرقي ، إلا أن الحديث في الدول المعاصرة عن وجود عرقية نقية بخصائص بيولوجية وعلى غرار ما يذهب إليه الفيلسوف الألماني فيخته من وجود نقاء عرقي للشعب الآري ، لا يعكس واقعاً حقيقياً مع تداخل الأعراق واختلاط الدماء نتيجة لعوامل تاريخية عديدة . وغالباً ما يشـار بالعرقية إلى عدد من السمات المشتركة ذات الصلة بعامل القومية كاللغة والدين والثقافة المشتركة(33).فيما يختص بتأثير العامل العرقي في بنية التكامل القومي في السودان يميز الباحث شريف حرير في دراسة له عن "تراجع القومية وانبعاث الاثنية في دارفور" موقفين: الموقف الأول يمثله المستعربون المسلمون في الوسط ، بينما يمثل الموقف الثاني المسيحيون من ذوي الثقافة الكنسية الأوربية من أبناء الجنوب . ويرى أن التقسيم بين العرقية العربية والأفريقية، لا يمثل الحقيقة في السودان الذي يضم أكثر من 570 مجموعة قبلية . ويستبعد وجود خط فاصل بين العرقية العربية والأفريقية في ظل وجود هرم اجتماعي وتباينات لغوية داخل هذه المجموعات. فهناك داخل المجموعة العروبية تصنيفات ، عل سبيل المثال ،ما بين عرب الوسط وعرب البقارة في غرب السودان . ورغم إيمانه بعدم وجود فاصل واضح بين العرقية العربية وغيرها ، إلا أنه يتمسك بوجود إشارات مبهمة تقوم علي سلوك عرقي داخل المجموعات التي تنتمي إلى الأصول العربية والتي ترى الآخرين من الأصـول الزنجية مجرد رقيق . ويرى أن كلمة "العبد" المرتبطة بثقافة الرق ، ما زالت متداولة في أوساط العروبيين رغم الضوابط القانونية(34). ولعل الباحث قد أصاب شيئاً من الحقيقة التي لا يمكن تعميمها في الوقت الذي لا يمكن إنكارها جملة . فهي موجودة في أوساط البعض وتستوجب تنشئة وتربية قومية تستهدف اقتلاع مثل تلك التوجهات من جذورها الاجتماعية والنفسية . من جانب آخر ما زال لفظ " العبد" يرتبط في أذهان بعض أبناء الجنوب بتجارة الرقيق وتوجساتها. وفي هذا الشأن يقول الباحث عبد الله على إبراهيم أن الجنوبيين سيقاومون كل ما يجعلهم يتبنون النسبة العربية بجانب نسبتهم الأفريقية . إذ أن لهم محاذير كثيرة حيال عرب الشمال تبدو في دلالات الازدراء التي تجري بها كلمة "عربي" على السنتهم " وأنهم يفضلون أن يحزم العرب حقائبهم ويقطعوا البحر الأحمر(35)".
وفي السياق نفسه يقول الباحث السوداني عبد الله بولا في رده على شعراء مدرسة " الغابة والصحراء" *الذين اتخذوا من أطروحة الأفروعربية في السودان مدخلاً لأجندتهم التصالحية بين الشمال العروبي والجنوب الأفريقي واتخذوا من العودة إلى سنار رمزاً للتكامل العروبي الزنجي في السودان .أن أطروحة الهجنة العربية الأفريقية التي ترمز إليها العودة إلى سنار فيها مجافاة لواقع التاريخ وحقائق الواقع التجريبي في مملكة سنار التي لم تخلو من أسواق لتجارة الرقيق حسب الوثيقة التي أوردها أبوسليم وسبولدنق وحسب الإشارات الموجودة على صفحات كتاب طبقات ود ضيف الله .ويورد إشارات صريحة وغير مبهمة لكلمة العبد المرتبطة بالجنس الزنجي في مجتمع سنار . وبهذا الصدد يشير إلى مواقف للشيخ حمد النحلان الذي لم يمنعه زهده وتصوفه من أن يأخذ بمعايير أهل زمانه من أحكام القيمة المسيئة وأقصاها أن يكون الإنسان عبداً مطلوقاً لا سيد له ويرى أن وضعية العبد المطلوق الذي لم يعرف تجربة العبودية الفعلية هي صفة تخص بها ثقافة أولاد العرب في السودان الزنوج لمجرد أنه من عرق زنجي مما يجعل من الزنجي عبداً بمحض طبيعته . ويرى أن ملوك سنار أنفسهم وإن كانوا زنوجاً بأعراقهم ، فقد كان وعيهم عروبياً لدرجة أنهم انتحلوا لأنفسهم نسبًا عربياً قرشياً أموياً هذا بجانب أن مثل هذا الطرح تجرد أجندة المشروع المقترح من مجال لمشروعية الاختلاف ثم البقاء ضمن الوطن الواحد (36). إلا أنه ورغم ما كان يسود في المجتمع السناري من ثقافة الرق التي أشار إليها الباحث ، فإنه من المشكوك فيه أن شعراء مدرسة الغابة والصحراء ذهبوا أبعد من تصوير مملكة سنار بوتقة جمعت مختلف القبائل السودانية في تحالف مبكر وقامت على رباط تحالفي وثيق بين عرب العبدلاب والفنج ، وتأسست على يد عمارة دنقس الذي يرمز الاسم الأول إلى النسب العربي فيما يرمز الاسم الثاني إلى النسب الأفريقي.
في دراسة لعابدون أقاو جوك نيال ، أحد الباحثين الجنوبيين في الشئون الأفريقية والتي يتبنى فيها وجهة نظر بعض النخبة الجنوبية ، تساؤلات حول العرقية والإسلام السياسي في السودان وانعكاساتهما على التكامل القومي . يرى الباحث أن الساسة الشماليين يقللون من دور العرقية في السياسات الشمالية المتداخلة ، لأن الإسلام والإيديولوجيات السياسية الحديثة وفرت السياق التي دارت فيه هذه السياسات ، إلا أن هذه السياسات تكون عرضة للمشاعر العرقية عندما تتحول إلى سياسات شمالية – جنوبية(37). إلا أن الباحث يعود مرة أخرى للحديث عن العرقية في السياسات الشمالية ، والتي بدأت تتبلور، حسب رأيه ، على حساب الولاءات السياسية في السودان الشمالي في الآونة الأخيرة . يرى ذلك في نزوع بعض الناخبين في بعض الدوائر الانتخابية في غرب السودان إلى انتخاب ممثليهم من أبناء المنطقة بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية السابقة . ويرى أنه في الوقت الذي يشهد فيه الشمال مثل هذه التوجهات العرقية ، فإن الجنوب الذي يتشكل أساساً من تركيبات قبلية ، تتوحد في إطار الاعتراف بمنحدرهم الأفريقي وفي إطار الصراع العرقي والديني والسياسي بين الشمال والجنوب(38). ولعل مما يؤكد هذه الرؤية في الوقت الراهن، ما يدور في الولايات الشمالية من صراع حول منصب الوالي وجذوره القبلية ، وإصرار كل مجموعة قبلية على حيازة المنصب بغض النظر عن الكفاءة الإدارية رغم عدم اكتراث القيادة السياسية بمثل هذه الصراعات .
خلاصة المعالجات الموضوعية :
نستخلص من هذه الدراسات التي ركزت على العوامل الموضوعية النقاط التالية :
1/ رغم وجود أرضية مشتركة للتجارب التاريخية في السودان لمعظم الأقوام السودانية الحالية، فإن معظم الباحثين الشماليين يركزون في أبحاثهم على التاريخ العربي الإسلامي في السودان .
2/ يرى الباحثون الإسلاميون في الدين الإسلامي عامل وحدة للأقوام السودانية ، بينما يرى فيه آخرون تحدياً للديانات الأخرى عندما يتحول الإسلام إلى لغة سياسية .
3/ تختلف وجهات النظر حول أهمية اللغة العربية وتمددها على أقاليم السودان كلغة رسمية مع انحسار اللغات المحلية كمؤشر من مؤشرات التجانس القومي والوحدة الوطنية .
4/ يظل العامل الاقتصادي سلاحاً ذا حدين في بناء الوحدة الوطنية. التنمية الاقتصادية المتوازنة بين أقاليم السودان مصدر هام من مصادر التكامل القومي ، بينما تعبر الفوارق الاقتصادية بين هذه الأقاليم عن الأحقاد التي تفضي إلى التشتت والصراع القومي .
5/ رغم عدم وجود ما يؤكد النقاء العرقي لأي مجموعة سودانية ، فإن هناك سلوكاً عرقياً لدى بعض المجموعات السودانية تتجاوز السلوكيات العرقية بين الشمال والجنوب إلى سلوكيات عرقية داخل المجموعات الشمالية وداخل المجموعات الجنوبية .
6/ لم تهتم هذه الدراسات بالجوانب الذاتية لأفراد المجتمع السوداني وما تتضمنه من قيم ومشاعر وسلوك تنبع عن شخصياتهم وتتبلور في مواقف ظرفية تعبر عن اتجاهاتهم نحو الوحدة القومية .


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 11:03 PM   #5
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى




(الحلقة الرابعة)

أسس التوجهات القومية والانتماء الوطني



في هذه الحلقة والحلقات التالية سيتم تناول العوامل الذاتية المرتبطة بالنفس السودانية والتي لا يمكن أن تكتمل الوحدة الوطنية في السودان دون ترقيتها وتمثيلها على أرض الواقع فبدون توجهات نفسية وطنية لن تجدي المعالجات الموضوعية،،،

تمهيد :
بجانب العوامل الموضوعية المتمثلة في وحدة اللغة والعرق والدين،ه ناك عوامل ذاتية ترتبط بشخصية الفرد وتؤثر في بنية الكيان القومي والانتماء الوطني وتعمل بعض هذه العوامل على تشكيل اتجاهات إيجابية نحو الانسجام القومي وخلق ذات قومية بغض النظر عن الفوارق الموضوعية. إن ترقية الذات القومية تتضمن النظر في مشاعر الناس وسلوكهم ورغباتهم وقوة إرادتهم في قبول بعضهم البعض تحت ظروف معينة . ولأن الحديث عن مثل هذه الجوانب السلوكية والوجدانية يتضمن التطرق إلى جوانب غير ملموسة بالنسبة للباحثين، فإنهم غالباً ما يلجأؤن إلى الدراسات الميدانية لاستبيان السلوك الفعلي للأفراد تجاه بعضهم البعض، وكيفية تطور هذا السلوك، ودور العمليات العقلية والعاطفية المرتبطة بالظرف المكاني والزماني في تشكيل اتجاهاتهم. وقد تناول هذا الأمركثير من الباحثين من أمثال ليندا ديفيدوف(مدخل علم النفس الاجتماعي،1977) ، ومريم سليم ( علم تكوين المعرفة، 1985)، ومصطفى سويف ( مقدمة لعلم النفس الاجتماعي،(1983) ، Fisher,S.T., & Talylor, (Social Cognitionm,1991) Piaget, G.,& Inhelder, B.,( The Grawth of of
the ogical Thinking from Childhood to Adolescence, 1958)*وينقسم هؤلاء الباحثون في مداخلهم لمثل هذه الدراسات إلى تيارين حسب نظريتين مختلفتين:
1/ النظرية المعرفية
يري المتبنون لهذه النظرية أن سلوك الناس وتوجهاتهم نحو بعضهم البعض انعكاس لسلسلة من المعلومات والمعارف التي تتراكم تدريجياً وتتحول إلى اعتقاد يحدد اتجاهاتهم . وليكون السلوك إيجابياً لابد من إيجابية مصادر هذه المعلومات
_____________________
*أنظر هذه المراجع في قائمة المصادر والمراجع في هذه الدراسة..


والمعارف التي تشكل القاعدة السلوكية. واعتماداً على هذه النظرية ولتكون سلوك السودانيين واتجاهاتهم إيجابية نحو بعضهم البعض ، تدعو هذه الدراسة إلى إعادة قراءة تاريخ السودان كمصدر من مصادر المعلومات التي تساعد على ترقية السلوك القومي .
2/ النظرية الميكانيكية :
يفسر سلوك الأفراد وفق النظرية الميكانيكية التي ترتبط بنظريات المثير والاستجابة والتي تتطور بموجبها العادات التي تستقر بناءاً على التعزيز الذي يقوم بدعم هذه العادات والتي تدخل بدورها ضمن مكونات اتجاهات الأفراد نحو بعضهم البعض ونحو المجتمع الكلي. ومن هنا ترى الدراسة ووفقاً لهذه النظرية ضرورة وجود أسس حركية من ضمنها التداخلات السكانية للعمل على تعزيز العادات التي تعمل على تنمية التوجهات القومية في أوساط السودانيين .
تعريف الاتجاهات القومية:
إن مصطلح "التوجهات القومية " يتكون من مقطعين . وللوصول إلى فهم صحيح للمصطلح، ينبغي تعريف كل مقطع تعريفا علمياًً دقيقاً. لذلك سنتناول أولاً تعريف كلمة "التوجهات" حسـب المساهمات التي قدمها بعض المختصين في هذا الشأن. فمصطلح الاتجاهات قد استخدم أول ما استخدم في كتابات علماء النفس بالاتجاهات أوالتوجهات القومية.
ربما يكون هربرت سبنسر، حسب ما يؤكده مصطفى سويف، هو أول من استخدم هذا المصطلح في كتابه "المبادئ الأولى" الذي صدر عام 1862 م يذكر سويف أن سبنسر أورد في كتابه نصاً تعريفياً للمصطلح جاء فيه، " إن وصولنا لأحكام صحيحة في مسائل مثيرة للجدل ، يعتمد على اتجاهنا الذهني ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه (1)". ورغم ما يبدو على هذا التعريف من بساطة ، إلا انه يتضمن بعضاً من عناصر الاتجاه ومكوناته . فهو يشير في هذا النص التعريفي إلى ما يعرف بالمكون المعرفي (cognitive component)عند حديثه عن الاتجاه الذهني وإعمال الفكر اللازم لتقييم موضوع الاتجاه للوصول إلى أحكام صحيحة. وهو عنصر الاتجاه الذي تبناه التيار الأول من الباحثين في استبيان سلوك الأفراد واتجاهاتهم . كما وانه يشير إلى تأثير المحيط أو البيئة بقوله " ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه". إن المكون المعرفي واحد من العناصر الثلاث التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة عند قياس الاتجاهات القومية لدى المبحوثين. إلا أن هذا التعريف تجاهل عنصر التأثير(affect component) الذي يثير العواطف ويدفع الناس إلى اتخاذ موقف معين تجاه الموضوع المطروح و"المثير للجدل "كما يقول. كما أننا لا نجـد في هذا التعريف المكون السـلوكي(behavioral component ) المعبر عن الطريقة العملية للاستجابة لموضوع الاتجاه بالقبول أو الرفض.
في عام 1918 قام كل من توماس وزنانيكي(F. Zananieki & W. Thomas) بدراسة عن أثر الاغتراب على قيم واتجاهات الفلاح البولندي المغترب. وقدما من خلال دراستهما مفاهيم جديدة لمصطلح الاتجاهات وإمكانية قياسها لمعرفة مواقف الأفراد تجاه المسائل الاجتماعية والسياسية والنفسية. وقد عرفا الاتجاه بأنه "الموقف النفسي للفرد حيال إحدى القيم أو المعايير(2)". ووفقاً لهذا التعريف، هناك اقتران بين الموقف والاتجاه. إلا أن الموقف حسب التعريفات الأخرى، يعتبر مكوناً واحداً من مكونات الاتجاه المعبر عن الموقف العقلي أو الموقف الاستجابي لموضوع الاتجاه . كما وأنهما تحت تأثيرهما بدراسة أنماط القيم في الريف البولندي وتأثير الهجرة على تلك القيم ، حددا موضوع الاتجاه في القيم والمعايير. هذا التحديد يعطي حكماً مسبقاً لموضوع الاتجاه بأنه يتسم بالقيمية والمعيارية، ويلغي بذلك رؤية المبحوث الشخصية والخاصة في تقييم موضوع الاتجاه. فليست موضوعات الاتجاهات كلها قيماً ومعايير، وإلا استوجبت بضرورتها القيمية والمعيارية سلوكاً إيجابيًا ، وانتفت بذلك الاتجاهات السلبية ولما تعارضت الاتجاهات مع القيم. وبالمثل لو طبقنا هذا التعريف على الاتجاهات القومية أو السياسية سنجد أن كل الموضوعات القومية أو السياسية موضوعات قيمية ملزمة للكل بقبولها القيمي ، مما يعني اتساق وتوافق كل الاتجاهات مع موضوعاتها التي تعتبر قيماً حسب هذا التعريف. وهذا أمر يتنافى مع وجود الاتجاهات المتباينة تجاه الموضوعات القومية والسياسية. ولا يتسق ذلك إلا في حالة تفسير القيم والمعايير بقابليتها السلبية والإيجابية.
مع الدراسات الكثيرة التي ركزت على موضوعات الاتجاهات ، بدأت مفاهيمها تتضح أكثر . فنجد بوجاردس (Bogards) يقدم تعريفاً للاتجاهات بأنها "نزعة نحو أو ضد بعض العوامل البيئية، وتصبح هذه النزعة قيمة إيجابية أو سلبية"(3). وهو بتعريفه هذا يقوُم التعريف السابق، بإشارته إلى إيجابية أو سلبية القيمة. ومع استمرار الباحثين في تقديم مساهماتهم التعريفية ، تطورت مفاهيم الاتجاهات لتدخل حيز البحوث العملية في كثير من الدراسات الإنسانية . وضمن هذه التطورات نجد روكيتش ( M. Rokeach) يضيف عنصراً جديداً في تحديد طبيعة الاتجاهات من حيث اكتسابيتها من فطريتها، وراثيتها من تعلمها، من النظر إليها من منظور بيولوجي أو منظور اجتماعي خاصة(4). وبتطبيق وجهة نظر روكتش الخاصة على مفهوم الاتجاهات القومية سنجد أن الاتجاهات القومية، عبارة عن تنظيم مكتسب يتميز بالاستمرارية والديمومة والتوافق حين ينسجم معتقدات الفرد القومية مع موقفه من فكرة يستجيب لها استجابة خاصة. ورغم هذه الإضافة الجديدة ، إلا أن مما يؤخذ على هذا التعريف، فكرة استمرارية الاتجاهات القومية وديمومتها بشرط انسجام الموقف مع الفكر. إن توافق الفكر مع الموقف قد يعني التوافق النفسي للمبحوث وقد لا يعني هذا التوافق استمرار اتجاهه وديمومته حسب توافقه النفسي مع موضوع الاتجاه. فالواقع أن الكثير من الاتجاهات القومية تعدل وتغير رغم توافر شرط التوافق النفسي والانسجام الفكري نتيجة لعوامل أخرى خارجية تؤثر في اتجاهات الناس وسلوكهم كما هي الحال عند ممارسة الضغط الإعلامي والسلطوي لتوجيه الناس وتغير اتجاهاهم لأهداف مخططة . ويضيف ميرتون (R.K.Merton) إلى التعريفات السابقة البعد الاجتماعي وتأثير الأفكار والمعتقدات السائدة في المجتمع على سلوك الناس ومواقفهم. ويضرب مثلاً لتوضيح ذلك بمثل الأمريكي الأبيض الذي لا يكن نظرة معادية للزنوج ، إلا أنه يرى ضرورة عدم انضمامهم إلى الاتحادات النقابية(5). وهو بتأكيده على عنصر البعد الاجتماعي وتأثيراته، يكمل النقص الذي أشرنا إليه في التعريف الذي قدمه روكيتش .
في دراسة حديثة عن تغيير الاتجاهات ، أورد ريتشارد بيتي(E.R.Petty)من جامعة اوهايو تعريفاً يضيف إلى التعريفات السابقة أهمية العنصر الوراثي في تحديد اتجاهات الأفراد وذلك على النقيض من وجهة نظر روكيتش الذي ركز على الجانب الاكتسابي. وبين أن تقييم الناس لموضوعات الاتجاهات يختلف حسب اختلافات الناس في المكونات البيولوجية للإحساس ، وأن مثل هذه الاختلافات فطرية يصعب تعديلها نظراً لصعوبة تعديل المكونات الوراثية للإحساس(6).
أورد معجم علم النفس والتحليل النفسي تعريفاًً يمكن استخدامه كمؤشرات أو كمقاييس أو كتعريفات إجرائية ، وهو نفس التعريف الوارد بدائرة المعارف البريطانية . فقد جاء فيهما أن "الاتجاه" تكوين فرضي لا يمكن ملاحظته مباشرة ولكن يستدل عليه من خلال السلوك الملاحظ أو الاستجابة اللفظية التي تعكس الرأي . والاتجاه استعداد لتصنيف الأشياء والأحداث والاستجابة لها مع درجة من التوافق التقييمي . وتصنف الاستجابات بدرجات تتراوح بين الإيجاب والسلب(7) (اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو السود أو نحو الأغنياء أو نحو اليهود أو نحو العرب ..الخ )
فيما يختص بتعريف المقطع الثاني ،أي كلمة " القومية " ، فإنها لا تعني في هذه الدراسة مذهباً سياسياً كحركة القومية العربية القائمة على زعم وحدة العرق واللغة والتاريخ والمصير المشترك. ولكن ما نعنيه هي القومية الوطنية (Patriotism) القائمة على وحدة الوجدان للشعوب المكونة للدولة الوطنية وأشواقها للأرض التي تضمها واستعدادها لقبول بعضها البعض بغض النظر عن تلك العوامل الموضوعية التي قد تتضمنها الدولة القومية، وقد لا تتضمن إلا بعضاً منها. فقد تتشكل الدولة الوطنية من قوميات صغيرة مختلفة وغير متجانسة تكُون في مجموعها أمة واحدة كما هي الحال في ما نعنيه بالقومية السودانية أو الأمة السودانية. وما نعنيه هنا بالقومية السودانية هي مجموع الأجناس المنتمين للأرض السودانية والمتمتعين قانونا بحقوق الجنسية والمواطنة سواء كانوا داخل الحدود السودانية في الوقت الحالي أو خارجه. ومن هذا المنطلق ، فإن ما نعنيه بالتجانس القومي في السودان هو تكامل القوميات السودانية بمختلف تعددياتها في إطار الدولة السودانية التي أصبحت واقعاً ومصيراً لكل هذه القوميات . ومن هنا فإن ما نعنيه بالتوجهات القومية أو الاتجاهات القومية هي تلك المسائل المتعلقة بما يلي :
- رغبة السودانيين وإحساسهم ومشاعرهم ونواياهم المعززة بالمعرفة والإدراك في تقاسم الحياة في ظل الدولة السودانية الموحدة مشكلين بذلك أمة متكاملة بجميع تعددياتها .
- الظروف المؤدية إلى السلوك الفعلي للمواطنين السودانيين المتأثر بدوره بالخبرات والتجارب المتوارثة وبأساليب التنشئة الاجتماعية وبنظم الاعتقادات السائدة في البيئة التي يتواجدون فيها .
- المواقف الإيجابية من القضايا التي تعزز تكامل الأمة السودانية وتؤدي إلى كمال الوحدة الوطنية .
هذه العناصر الثلاثة (التهيؤ المعرفي للمضامين الإيجابية للتكامل القومي، الاستعداد الوجداني والعاطفي لقبول الآخر والسلوك على هذا الأساس، والمواقف الإيجابية تجاه الآخرين)، هي المعايير التي تحدد تقدير الموقف الإيجابي من القضايا القومية والوحدة الوطنية وتعمل على خلق الذات القومية. وهي ذات العناصر التي اتخذناها كمؤشرات لمعرفة الاتجاهات القومية . وعندما تتسق هذه العناصر وتتكامل على مقياس الاتجاهات ، ويكون أي من هذه العناصر دالة على العناصر الأخرى ،عندئذٍ نستطيع القول أن التوجهات القومية للشعب السوداني توجهات إيجابية. وأما في حالة وجود تناقض أو تنافر بين هذه العناصر، يكون الحديث عن التعصب العرقي أو الديني أو الإقليمي أو غير ذلك من إفرازات الخلل في تناسق المكونات الحقيقية للتوجهات القومية .

(1) أوردها : مصطفى سويف ، مقدمة لعلم النفس الاجتماعي ، مكتبة انجلو المصرية ، القاهرة ، 1983 ، ص 334 .

(2) المرجع السابق نفسه .

(3) عبد الرحمن عيسوي ، علم النفس الاجتماعي ، الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 1997 ، ص 144 ، نقلاً عن :

Brown, J.A.G., Techniques of persuasion from propaganda to brainwashing, 1968.



(4) أنظر : Rokeach , M. , Beliefs, attitudes, & values, San Francisco, Jessy-Bass, 1968, pp. 65-73.


(5) المرجع السابق، ص146 .



(6) أنظر : Petty, E.R., Attitude change, in: A. Tesser, Advanced social psychology, N.Y., McGraw-Hill, Inc., 1995, p.196.




(7) أنظر : فرج عبد القادر وآخرون ، معجم علم النفس والتحليل النفسي ، بيروت ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، ب.ت، ص 11. وأنظر كذلك : Britannica , Micropedia , Vol. 1, Encyclopedia Britannica, Inc., 1980, p. 687.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 11:06 PM   #6
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة الخامسة

الاستعلاء القبلي احد الموجهات المسكوت عنه في السلوك السودانيين ، والذات القبلية ما زالت تغلب على الذات القومية فهل هناك مبررات لمثل هذا السلوك ؟ وهل نجد في تاريخ السودان ما يبرر مثل هذا السلوك الذي يعيق التكامل الوطني في إطار السودان الأمة ذ1ن علينا أعادة كتابة وقراءة تاريخ السودان لا كما كتبه الأجانب ولا كما العروبيون على هواهم....


الذات القبلية في السودان

مفهوم الذات القبلية :
القبلية لها مفهوم اجتماعي يعبر عن علاقات ترابطية بين أفراد ينتمون إلى أصول قرابية مشتركة. وتعتبر مثل هذه العلاقات من أولى صور التضامن الاجتماعي التي تبدأ بارتباطات عاطفية قوية في نطاق الأسرة التي تشكل الحلقة الأولى في الانتظام الاجتماعي العام . مع تمدد الأسرة إلى بطون وأفخاذ وعشائر تتوسع نطاق العلاقات وتقل العلاقات العاطفية تدريجياً لتحل مكانها علاقات مصلحية بين أعضاء المتحد الذي يتمحور حول الجد الأعلى والذي غالباً ما يتمسك الأفراد بالانتماء إليه وربما تأتي تسمية القبيلة باسمه . وإن كان الاجتماع على مستوى الأسرة مبنياً على علاقات وجدانية وعاطفية، فإن الاجتماع على مستوى القبيلة مبني على ركائز مادية صلبة تمنح الفرد إحساسه بذاتيته المميزة داخل المتحد القبلي الذي ينتمي إليه .
قبل انتظام البشر في نطاق الدولة القانونية المدبرة لأحوالهم ، كان حال الهوية القبلية والتجميع على أساس العرق شأناً تستدعيه ضرورة المعايشة والمدافعة بين أهل النسب المشترك . فنجد بعضاً من علماء الاجتماع من أمثال ابن خلدون يؤكدون على أهمية مثل هذا التجميع القبلي لما فيه من التحام توجبه صلة الرحم ولما لهذا الالتحام من نعرة ومناصرة(1). أما وأن تظل صورة القبلية في هذا الإطار الاجتماعي وبما يكتنفه من تكاتف وتعاون بين أفرادها ، فهي صورة محمودة الجانب، لا يضار منها الآخرون من أفراد المتحدات القبلية الأخرى . وفي مثل هذا المجتمع غالباً ما تسود قوانين العرف والتقاليد ، وتسود علاقات القرابة بدلاً عن العلاقات الطبقية ، وتسود سلطة شيخ القبيلة المرتبطة غالباً بسلطة المقدس في بعض المجتمعات القبلية وبما يحوزه من مال وممتلكات في بعض المجتمعات الأخرى. ويظل العمل المشترك وتبادل المنافع بديلاً عن تقسيم العمل ونظام الأجرة والتبادل التجاري . إلا أنه مع ظهور الدولة بمؤسساتها ونظمها ،قد تختفي الصورة المثالية لمجتمع القبيلة كمؤسسة اجتماعية لها خصوصياتها الاقتصادية والإدارية ، وتتحول إلى إطار سياسي خاص تسعى من خلاله للهيمنة القبلية في ظل الدول التي تتميز بتعدديات قبلية متنافسة على مقدرات الدولة الاقتصادية منها والسياسية . و"الإطار السياسي " ،بصورة عامة تتوفر في نطاق القبيلة حتى في مجتمعات اللادولة . فقد يتمثل في كل نشاط يتعلق بالحضور والمشاركة في الشئون العامة لمجموعة من الناس جمعتهم الصدفة أو الاختيار مع بعضهم البعض، حسب رؤية فنسنت (2) . و يمتد إلى أبعد من نطاق الدولة والحكومة إلى طريقة تكوين الجماعات وشروط استقرارها ، حسب تعبير جان مينو(3) . ويمكن اقتفاء "السياسي" في أشكال الأعمال التي تسعى إلى تأمين الارادات الجمعية القائمة على تضامن المجتمع حسب مفهوم برتراند بادى واوجين دوبريل وجان هيسارات(4). هذه الشروط التي يؤكد عليها كثير من الباحثين لانبعاث "السياسي" ، تتوفر في المجتمعات القبلية، إلا أن هذا الإطار قد يتخذ طابع التنافس والسعي لفرض الهيمنة القبلية في بعض المجتمعات الدولتية . عندئذٍ يتمحور خطاب القبلية في التمركز حول الذات القبلية بمؤشراته المتمثلة في النظرة الدونية للآخرين وتقييم ثقافات القبائل الأخرى بمعيار ثقافتها الخاصة. وتقوم القبيلة بتقديم القرابة نفسها داخل البناء القبلي نموذجاً ولغة "للسياسي" . بمعنى آخر تعبر العلاقات السياسية عن نفسها بكلمات القرابة ، وتكون استعمالات القرابة إحدى الوسائل الإستراتيجية التي تستخدمها القبيلة من أجل المكاسب السياسية .
قد تسعى القبيلة إلى الولوج في الحقل السياسي مع بروز مهددات التضامن الداخلي والتوازنات القائمة داخل المتحد القبلي . وقد تمظهرت المهددات الداخلية في العشائرية السودانية في مظاهر عديد منها :
- النزاعات الأسرية داخل القبيلة حول ملكية الأراضي وحول المراعي واستحواذها .
- التناقضات التي تحدث بين أفراد القبيلة حين يسعى البعض لتوجيه الآخرين في اتجاه مصالحهم الخاصة متجاوزين بذلك صلات القربة وما تفرضه من التحام المصلحة العامة للقبيلة . عندئذٍ يظهر "السياسي" كوسيلة لاحتواء هذه التناقضات.
- اللاتماثلات في أصل المواطنة وبروزها نتيجة للمصاهرات الخارجية والتي تولد وضعاً جديداً للمولدين عن هذه المصاهرة داخل أطر الانتساب إلى المواطنة القبيلية.
- التمايزت التي نجمت تاريخياً عن ظاهرة الرق والعبودية ووضع الأرقاء ما بين الانتساب الاسمي والرؤية الفعلية حول انتمائهم لوطن القبيلة .
- ظهور النخبوية داخل المتحد القبلي كما هي الحال في ظهور نخبات دينية تحاول احتكار العلاقة بالمقدس ورموزها السيادية . وهذا ما يؤدي إلى تصنيف أفراد القبيلة إلى عامة وصفوة تدًعي توجيه العامة إلى حكمتهم وعلمهم ومعرفتهم. يتطلب هذا الأمر نوعاً من العمل السياسي الذي يستوجب إعادة التضامن الاجتماعي بين أفراد القبلية.
- التحللات التي تحدث في بنية المجتمع القبلي نتيجة للهجرة من وإلى داخل نطاق القبيلة .
إن طبيعة العمل السياسي الناجم عن موترات التضامن الداخلي ومهدداته ليست بالضرورة عملاً سلطوياً قسرياً . فهناك -على حد قول جورج بالانديه - اواليات غير اكراهية تساهم في تجديد التضامن وإعادة التوازن الداخلي، كما هي في حالة الطقوس التي تحقق تجديداً دورياً واتفاقياً لمجتمع القبيلة ويعيد التضامن بين أفراده(5) .
بجانب ظهور "السياسي" كضرورة للحفاظ على التضامن الداخلي ، وكقوة ضد تفكك القبيلة وضعفها ، يتعزز كذلك كضرورة خارجية تمظهرت تاريخياً في صور عديدة في نطاق القبلية الإقليمية في السودان؛ ومن هذه الصور :
- النزاعات التي تحدث نتيجة لعمليات النهب من القبائل الأخرى والتي تستدعي إما عملاً سياسياً لاسترداد المسلوب بطريقة سلمية أو عملاً مسلحاً تؤدي إلى المزيد من التوتر بين القبائل .
- صد العدوان والغزوات الخارجية التي تستهدف القبيلة وممتلكاتها . وقد يؤدي ذلك إلى ظهور قيادة عسكرية بجانب الزعامة السياسية .
- وكما يتعزز السياسي في إطار البعد العدواني بين القبائل ، فإنه يتعزز كذلك من خلال العلاقات ذات الطابع الوفاقي في المعاهدات والاتفاقيات والتحالفات وعلاقات حسن الجوار وصور الاتحادات القبلية كما كان الأمر في الاتحاد السناري الذي تشكل من تحالفات قبلية مختلفة .
- تمجيد الأرومة العرقية للقبيلة وقوتها ووحدتها وسيادتها ورموزها أمام القبائل الأخرى .
- التفاوتات الاقتصادية الناجمة عن علاقات الإنتاج وشروطها مع بداية اقتصاديات المشاريع واقتصاديات السوق وتراجع الاقتصاد الاكتفائي . الإحساس بالغبن الاقتصادي الناجم عن عدم التوزيع العادل للثروة القومية بين الأقاليم ، شرط لبروز الإحساس بالتفاوتات الاقتصادية بين القبائل الواقعة في نطاق الأقاليم المظلومة .
- وأخيراً لعبت الأحزاب السياسية السودانية دوراً كبير في تسييس القبائل ، حينما عجزت هذه الأحزاب ، حتى الموصوفة منها بالسمة القومية أو الأممية ، من أن تكون أحزاباً قومية دون الاعتماد على تقليد حقيقي يكفل لها الاستمرار، دون العودة إلى اللغة القديمة بقبائلها ورموزها وطقوسها وطوائفها وتناقضاتها . ولم تستطع تلك الأحزاب من أن تحرر نفسها نهائياً من خصوصياتها القبلية والجهوية. كما وأن قيادات بعض هذه الأحزاب التي وصلت إلى مراكز السلطة ، لم تتمكن من تجنب توزيع السلطة والنفوذ حسب الفئات العرقية والدينية. وفي هذا الصدد يؤكد المحجوب ، أن التركيب القبلي وتسييسه في فترات الحكم البرلماني كان له تأثير كبير على دينامية الأحزاب السياسية وقدرة أي منها على تشكيل الحكومة بمفرده(6).
إن القبلية تظهر بوجهها السياسي المستهجن ، المتمثل في علاقات الهيمنة والخضوع، عندما تتوقف القبيلة عن نموذجيتها الاجتماعية المثالية، وتسخر تضامن أفرادها ونعرتهم إلى سلوك عنصري وأيديولوجية سياسية في مجتمع الدولة لإحداث توترات في بنية الدولة الوطنية التي تتشكل من تعدديات قبلية مختلفة . إن التطور السيكولوجي والوجداني لأفراد القبيلة على مرجعية التفوق العرقي والثقافي للقبيلة، نتيجة لتراكمات التنشئة القبلية، يؤدي إلى بروز الذات القبلية على حساب الذات القومية. وعليه فإن الذات القبلية بهذا المفهوم يعبر عن توجهات الفرد الإيجابية نحو قبيلته عل حساب توجهاته القومية . وتترتب على وجود مثل هذه التوجهات في الدولة الوطنية، إعاقة السلوك القومي الذي يفضي إلى كمال الوحدة الوطنية. ولا شك أن السودان كدولة تعددية، يتميز بوجود توجهات قبلية تتطور أحياناً إلى نوع من الصراع القبلي والإقليمي الذي يهدد بنية التكامل القومي . فهل نجد في التاريخ السوداني ما يبرر مثل هذا السلوك من مقومات النقاء العرقي والقبلي ؟ أم كان لحركة التاريخ السوداني قدرة على مزج العناصر العرقية المختلفة في بوتقة البيئة الطبيعية والحضارية ؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات تستدعي عودة إلى تاريخ القبلية وهوية الأعراق في السودان، وقراءة هذا التاريخ قراءة موضوعية وبعيدة عن الأنوية الثقافية أو العرقية.


(1) ابن خلدون ، المقدمة ، تحقيق : على عبد الواحد وافي ( الجزء الثاني ) ، (الطبعة الثانية ) ، القاهرة ، دار نهضة مصر للطبع والنشر والتوزيع ، 1401 ه .

(2) فنسنت ، أندرو ، نظريات الدولة ، ترجمة : مالك أبو شهيوة ومحمود خلف، بيروت ، دار الجيل ، 1977، ص 19.

(3) مينو ، جان ، مدخل إلى علم السياسة، ترجمة: جورج يونس ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1986، ص ص 77-80.

(4) نفسه .

(5) بالانديه، جورج ، الأنثربولوجيا السياسية ، ترجمة : علي المصري ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1990، ص55.

(6) محمد أحمد المحجوب ، ص 205.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 11:09 PM   #7
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى




الحلقة السادسة


ومن نفس منطلق الاستعلاء القبلي والجهوي يحاول البعض توجيه الإرث الحضاري السوداني وينسبونه إليهم، فقد يرى النوبيون على سبيل المثال أن الحضارات النوبية ملكهم وحدهم وأن العرب الذين وفدوا إلى السودان لاحقا لا يحق لهم الحديث عن هذه الحضارات فهم وافدون عليهم الالتزام بموجبات الوفود وإن لم يلتزموا عليهم العودة إلى مواطنهم وعليهم أن يقطعوا البحر الأحمر،، فهل الأمر كذلك؟ أم علينا أن نعيد قراءة التاريخ؟


هوية الأعراق في الممالك السودانية القديمة

بالرجوع إلى تاريخ الأجناس التي استوطنت المناطق المعروفة حالياً بالسودان، يمكن القول أن العناصر الأولى كانت تنتمي إلى عناصر زنجية تختلف عن العناصر الزنجية الحالية وأقرب إلى إنسان قديم من نوع ما قبل البوشمن (Proto-bushmen)(9). هذا الإنسان الذي لم يكن مجهول الهوية السلالية ، لم يتواجد في منطقة واحدة من السودان . بل وجدت له آثار في مناطق مختلفة امتدت من الوسط السوداني إلى مناطق عطبرة ونوري والقعب وواوا وصاي وعبري وحلفا(10). في ذلك إشارة واضحة إلى أن العناصر الزنجية هي التي سادت معظم المناطق الوسطى والشمالية من مناطق السودان الحالية . كما أنه ليس هناك ما يدل على وفود عناصر غير زنجية إلى هذه المناطق في تلك الفترة المبكرة من تاريخ السودان .
في عصور المجموعات الحضارية ، هناك جملة من الاجتهادات الأثرية التي لا ترقى إلى مستوى اليقين العلمي. من هذه الاجتهادات ما يعتقد بأن عناصرها البشرية كانت أشبه بالعناصر البشرية التي سادت مصر في عصر ما قبل الأسر . وهذا أمر يشير إلى ظهور عناصر جديدة لا تنتمي إلى العناصر الزنجية التي سادت المنطقة من قبل . كما يعني وفود هذه العناصر الجديدة من مناطق طرد مناخي أو بيئي من الشمال عند حوض البحر المتوسط .
ففي الفترة المعروفة بالعصر الوسيط الأول ( 2250-2040 begin_of_the_skype_highlighting 2250-2040 end_of_the_skype_highlightingق.م ) ، ظهرت ملامح شعب جديد بين كوم أمبو وعكاشة عرف بأصحاب حضارة المجموعة الثالثة. يرجح كل من ريزنر واركل على أن هذه العناصر لها صلة بشعب بدوي يمت بالانتماء إلى الطمياح الذين يردون إلى أصول ليبية جنوبية . من جانبه ، يرى اشتندروف أن هذه العناصر جاءت من أثيوبيا أو من مناطق غرب أفريقيا(11). ولعل مما يرجح الاجتهاد الأول ، وجود صلة بين المفردات اللغوية ما بين النوبة في شمال السودان والبربر في شمال غرب أفريقيا*. ويتأكد ذلك متى ما تم إثبات ما يدل على علاقة لسانية بين النوبيين الحاليين وبين سكان مناطق النوبة القدماء من جهة ، وبين اللغات البربرية ولغة الطمياح من جهة أخرى .
بجانب احتمال وفود عناصر ليبية للمنطقة لأول مرة وإضفائها عنصراً سلالياً جديداً على العناصر السودانية القديمة ، فإن المجموعة الحضارية الثالثةتميزت عن سابقاتها بميزة روحية جديدة لم تكن معروفة من قبل . فقد دخلت المنطقة معتقدات روحية تمثلت في ظهور علاقات تقديسية لبعض الحيوانات. ولا يستبعد أن تكون تلك العلاقات ذات صلة بالطقوس الطوطمية مما يرجح احتمالاً آخر بوفود جماعات من مناطق رعوية كانت تمارس فيها مثل هذه الطقوس .
يبدأ التاريخ السوداني بشيء من الوضوح وتتضح الهوية السياسية لأول سلطة سياسية حاكمة مع بداية الممالك التي تعرف بالممالك الكوشية. يقول في ذلك عالم الآثار ب.ج هيكوك في تقديمه لإحدى البحوث الأثرية ،"مازال يرجى الكثير من المعرفة بين كرمة وكريمة عن هوية أولئك السودانيين الذين كانوا أول مجموعة اتخذت لنفسها ملوكاً لهذا البلد(12)". تقسم هذه الممالك عادة إلى ثلاث ممالك حسب الترتيب الزمني وحسب مراكزها الإقليمية (عواصمها) هي ، كرمة ونبتة ومروي . وقد يخطر لبعض الباحثين أن يجمع بين المملكتين الأخيرتين تحت أسم مروي ويفصل بينهما زمنياً حسب الموضع بحيث يكون الأسبق منهما مروي البركل والتالية مروي البجراوية.
يختلف الباحثون في أصول تلك المجموعات اختلافهم في أصول المجموعات التي شكلت المجموعات الحضارية السابقة . يذهب ريزنر إلى انهم ينتمون إلى المجموعات التي استوطنت المنطقة منذ أيام الدولة المصرية القديمة . وفيما يؤكد فركوتي أنها عناصر محلية ، يذهب اشتندروف إلى أن الشعوب التي كونت حضارة كرمة طائفة من شمال أفريقيا(13). ومع اختلاف آراء الباحثين ، يبقى الاعتماد على رأي واحد مجازفة وضرباً من التحيز غير العلمي. وعليه فإن الصيغة التوفيقية في هذا الشأن ، هي أن العناصر البشرية التي عرفت أول نظام سياسي وإداري في السودان ، كانوا خليطاًً من الأجناس المحلية والوافدة والتي تأثرت بحكم الموقع بالحضارات المجاورة . وربما كانت سحناتهم أقرب إلى سحنات السودانيين الحاليين . وكانوا بذلك اقرب في تعددياتهم العرقية التي جمعتها كرمة ومزجتها البيئة إلى التعدديات التي تعجز الدولة السودانية الحديثة من حزمها في إطارها الوطني .
ظهرت المملكة النبتية بعد حوالي ألف عام بعد انهيار حضارة كرمة . ظهرت مملكة نبتة واستمرت ما بين عاميّ 751 و295 ق.م . أما مروي والتي يراها بعض المؤرخين إمتداداً تاريخياً للمالك الكوشية ، فقد استمرت إلى حوالي عام 350 م(14) كمركز للملكة الكوشية بعد انتقال العاصمة من منطقة البركل في العصر النبتي إلى منطقة البجراوية. تمثل هذه الحقبة مرحلة هامة من مراحل التاريخ السوداني المؤثر في تطورات الهوية السودانية والإرث الحضاري للسودانيين . وانطلاقا من الدور البارز للملكتين على صعيدي السياسة والاقتصاد على المستويين المحلى والإقليمي ، فقد انصبت اهتمامات الدارسين على البحث في أصول الأسر الحاكمة وهوياتها دون التركيز على هوية الشعب الذي تشكلت منه هذه الممالك. تذهب معظم الاجتهادات إلى أن أصول هذه الأسر محلية ولا تمت بعلاقة عرقية بسلالات الملوك المصريين أو الليبيين . إلا أن بعض الباحثين يردونها إلى أصول مصرية استناداً على منهج المقارنة بين الحضارة المصرية والكوشية وما بهما من تشابه في كثير من جوانب الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية. فريق آخر من الباحثين يرجح انتماء هذه الأسر إلى أصول ليبية باعتبار أن فرعاً من الطمياح الليبيين اتجه خلال الهجرة الكبرى للقبائل الليبية إلى دنقلا عبر درب الأربعين وذلك في زمـن حكم الملك الليبي شيشنقه الأول في شمـال الوادي (920-860 ق.م )(15). وقد أعتمد أصحاب هذا الرأي - ومنهم رايزنر - في تأكيد افتراضاتهم على بعض نتائج الحفريات التي أسفرت عن وجود بعض الأثريات ذات الطابع الليبي وعلى لوحة تحمل لقب "سيدة الطمياح" للملكة تابيري زوجة الملك بعانخي . كذلك اعتمد هذا الفريق على بناءات بعض أسماء الملوك الكوشيين التي تنتهي بالمقطع "قه" والمشترك مع أسماء الملوك الليبيين كما نجده في اسمي " تهراقه " و"شيشنقه". إلا أن الباحث محمد إبراهيم بكر يذهب إلى أن هذا المقطع الذي يترجمه البعض على أنه يقابل كلمة "المبجل " لم يكن وقفاً على ملوك نبته وإنما استمر ظهوره كذلك في نهاية أسماء الملوك المرويين(16). كما نجد اليوم مقابلاً لهذا المقطع في اللغة النوبية الحالية بمعنى " الذات " مما يعني أن هذا المقطع محلي صرف متي ما ثبت أن اللغة النوبية الحالية هي نفس لغة المحليين في تلك المراحل التاريخية .


(9) Arkel, A.G., Early Khartoum, Oxford, 1949.

(10) محمد إبراهيم أبكر ، تاريخ السودان القديم ، القاهرة ، دار المعارف ،1987، ص ص 19،20.

(11) للمزيد أنظر : المرجع السابق ص 50 وكذلك :
Resiner, G.A., Excavation at Karma, 1-3,Harvard University' African Studies, 1923,pp.33-46.

* قام الباحث بإجراء مقارنة لعدد من المفردات المشتركة بين البربر والنوبة , وذلكم من خلال جلسات مع بعض العناصر البربرية.

(12) محمد سعيد محمد سالم ، أضواء على حضارة كرمة ، شعبة أبحاث السودان ، كلية الآداب ، جامعة الخرطوم ، الكراسة رقم (6) ، يوليو 1970، ص20.

(13) محمد إبراهيم أبوبكر ، مرجع سابق ، ص 50.

(14) المرجع السابق ، ص 166.

(15) المرجع السابق ، ص 103.

(16) المرجع السابق ، ص 107

(17) المرجع سابق ، ص 53 .

(18) باسكال فرنوس و جات لويوت ، موسوعة الفراعنة ، ترجمة : محمود ماهر طه ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1991، ص 218 .

(19) محمد سعيد محمد سالم ، مرجع سابق ، ص 16 .

(20) فرنوس وجالوت ، مرجع سابق ، ص ص 16 ،17 .

(21) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، (المجلد الأول ) ،بيرت، دار صادر ، بيروت ، 1982 ، ص 81.

(22) المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، (الطبعة الثانية ) ، صيدا، بيروت، المكتبة العصرية ، ، 1987 ، ص 16.

(23) ابن خلدون ، المقدمة ، مرجع سابق ، ص ص 390 ، 391 .

(24) مدثر عبد الرحيم ، الإمبريالية والقومية في السودان ، بيروت ، دار النهار للنشر ، 1981 ، ص 99 .

* رغم قناعتنا بأن النوبية ليست هوية عرقية ، فإننا نستعملها على عادة التسمية السائرة في السودان للعناصر البشرية التي تنتمي أصلاً إلى المناطق الواقعة على النيل من الأقصر تقريباً إلى الغدار ، وتشترك مع بعضها في لغات محلية .

(25) أنظر :محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 215 .

* ورد ما يدل على قوة كوش في اللوح الثاني للملك كاموس الذي وجد بالكرنك عام 1954.

* مما بشير إلى وجود علاقة ما بين الجعل والشمس، أن الأطفال كانوا يقومون بجمعها في نهار رمضان باعتبار أن هذه العملية تساعد في تقصير النهار وغروب الشمس . كذلك ذكر أحد الأسوانيين من النوبة أن عادة دفن الجعل مع الموتى ما زالت تمارس في بعض مناطق النوبة المصرية .

(26) محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان، مرجع سابق ، ص ص 7،8 .

(27) محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 166.

(28) محمد أبو القاسم حاج حمد ، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل ، (المجلد الأول ) ،( الطبعة الثانية) ، بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع ،، 1996 ، ص ص 37،38.

(29) بولم ، دينز ، الحضارات الأفريقية ترجمة :نسيم نصر ،(الطبعة الثانية) ، بيروت، منشورات عويدات ،1978، ص 43.

(30) ديفستون ، بازل ، لمحات من تاريخ أفريقيا ، ترجمة : مركز البحوث الأفريقية بسبها ،، 1996 ،ص ص32،33 .

(32) عبد الوهاب إبراهيم الزين ،الهوية السودانية بين السلوك القبلي والقومي ، رسالة ماجستير غير منشورة ، ص 42.

(31) نعوم شقير ، جغرافية وتاريخ السودان ،بيروت، دار الثقافة العربية ، 1967 ، ص 315 .

(32) أورها : محمد إبراهيم بكر من اللوح الذي عثر عليه في معبد آمون في جبل البركل عام ونقل إلى متحف القاهرة رقـــم ( 48862) .أنظر محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 141.

(33) عمر حاج الزاكي ، " عوامل الاستمرارية والتغير في ملامح وادي النيل الأوسط " ، في : مجلة العلوم الإنسانية ، جامعة ناصر ، العدد الثاني،نوفمبر 1991 ، ص ص 133 ،134.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 11:09 PM   #8
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى




الحلقة السادسة


ومن نفس منطلق الاستعلاء القبلي والجهوي يحاول البعض توجيه الإرث الحضاري السوداني وينسبونه إليهم، فقد يرى النوبيون على سبيل المثال أن الحضارات النوبية ملكهم وحدهم وأن العرب الذين وفدوا إلى السودان لاحقا لا يحق لهم الحديث عن هذه الحضارات فهم وافدون عليهم الالتزام بموجبات الوفود وإن لم يلتزموا عليهم العودة إلى مواطنهم وعليهم أن يقطعوا البحر الأحمر،، فهل الأمر كذلك؟ أم علينا أن نعيد قراءة التاريخ؟


هوية الأعراق في الممالك السودانية القديمة

بالرجوع إلى تاريخ الأجناس التي استوطنت المناطق المعروفة حالياً بالسودان، يمكن القول أن العناصر الأولى كانت تنتمي إلى عناصر زنجية تختلف عن العناصر الزنجية الحالية وأقرب إلى إنسان قديم من نوع ما قبل البوشمن (Proto-bushmen)(9). هذا الإنسان الذي لم يكن مجهول الهوية السلالية ، لم يتواجد في منطقة واحدة من السودان . بل وجدت له آثار في مناطق مختلفة امتدت من الوسط السوداني إلى مناطق عطبرة ونوري والقعب وواوا وصاي وعبري وحلفا(10). في ذلك إشارة واضحة إلى أن العناصر الزنجية هي التي سادت معظم المناطق الوسطى والشمالية من مناطق السودان الحالية . كما أنه ليس هناك ما يدل على وفود عناصر غير زنجية إلى هذه المناطق في تلك الفترة المبكرة من تاريخ السودان .
في عصور المجموعات الحضارية ، هناك جملة من الاجتهادات الأثرية التي لا ترقى إلى مستوى اليقين العلمي. من هذه الاجتهادات ما يعتقد بأن عناصرها البشرية كانت أشبه بالعناصر البشرية التي سادت مصر في عصر ما قبل الأسر . وهذا أمر يشير إلى ظهور عناصر جديدة لا تنتمي إلى العناصر الزنجية التي سادت المنطقة من قبل . كما يعني وفود هذه العناصر الجديدة من مناطق طرد مناخي أو بيئي من الشمال عند حوض البحر المتوسط .
ففي الفترة المعروفة بالعصر الوسيط الأول ( 2250-2040</SPAN>ق.م ) ، ظهرت ملامح شعب جديد بين كوم أمبو وعكاشة عرف بأصحاب حضارة المجموعة الثالثة. يرجح كل من ريزنر واركل على أن هذه العناصر لها صلة بشعب بدوي يمت بالانتماء إلى الطمياح الذين يردون إلى أصول ليبية جنوبية . من جانبه ، يرى اشتندروف أن هذه العناصر جاءت من أثيوبيا أو من مناطق غرب أفريقيا(11). ولعل مما يرجح الاجتهاد الأول ، وجود صلة بين المفردات اللغوية ما بين النوبة في شمال السودان والبربر في شمال غرب أفريقيا*. ويتأكد ذلك متى ما تم إثبات ما يدل على علاقة لسانية بين النوبيين الحاليين وبين سكان مناطق النوبة القدماء من جهة ، وبين اللغات البربرية ولغة الطمياح من جهة أخرى .
بجانب احتمال وفود عناصر ليبية للمنطقة لأول مرة وإضفائها عنصراً سلالياً جديداً على العناصر السودانية القديمة ، فإن المجموعة الحضارية الثالثةتميزت عن سابقاتها بميزة روحية جديدة لم تكن معروفة من قبل . فقد دخلت المنطقة معتقدات روحية تمثلت في ظهور علاقات تقديسية لبعض الحيوانات. ولا يستبعد أن تكون تلك العلاقات ذات صلة بالطقوس الطوطمية مما يرجح احتمالاً آخر بوفود جماعات من مناطق رعوية كانت تمارس فيها مثل هذه الطقوس .
يبدأ التاريخ السوداني بشيء من الوضوح وتتضح الهوية السياسية لأول سلطة سياسية حاكمة مع بداية الممالك التي تعرف بالممالك الكوشية. يقول في ذلك عالم الآثار ب.ج هيكوك في تقديمه لإحدى البحوث الأثرية ،"مازال يرجى الكثير من المعرفة بين كرمة وكريمة عن هوية أولئك السودانيين الذين كانوا أول مجموعة اتخذت لنفسها ملوكاً لهذا البلد(12)". تقسم هذه الممالك عادة إلى ثلاث ممالك حسب الترتيب الزمني وحسب مراكزها الإقليمية (عواصمها) هي ، كرمة ونبتة ومروي . وقد يخطر لبعض الباحثين أن يجمع بين المملكتين الأخيرتين تحت أسم مروي ويفصل بينهما زمنياً حسب الموضع بحيث يكون الأسبق منهما مروي البركل والتالية مروي البجراوية.
يختلف الباحثون في أصول تلك المجموعات اختلافهم في أصول المجموعات التي شكلت المجموعات الحضارية السابقة . يذهب ريزنر إلى انهم ينتمون إلى المجموعات التي استوطنت المنطقة منذ أيام الدولة المصرية القديمة . وفيما يؤكد فركوتي أنها عناصر محلية ، يذهب اشتندروف إلى أن الشعوب التي كونت حضارة كرمة طائفة من شمال أفريقيا(13). ومع اختلاف آراء الباحثين ، يبقى الاعتماد على رأي واحد مجازفة وضرباً من التحيز غير العلمي. وعليه فإن الصيغة التوفيقية في هذا الشأن ، هي أن العناصر البشرية التي عرفت أول نظام سياسي وإداري في السودان ، كانوا خليطاًً من الأجناس المحلية والوافدة والتي تأثرت بحكم الموقع بالحضارات المجاورة . وربما كانت سحناتهم أقرب إلى سحنات السودانيين الحاليين . وكانوا بذلك اقرب في تعددياتهم العرقية التي جمعتها كرمة ومزجتها البيئة إلى التعدديات التي تعجز الدولة السودانية الحديثة من حزمها في إطارها الوطني .
ظهرت المملكة النبتية بعد حوالي ألف عام بعد انهيار حضارة كرمة . ظهرت مملكة نبتة واستمرت ما بين عاميّ 751 و295 ق.م . أما مروي والتي يراها بعض المؤرخين إمتداداً تاريخياً للمالك الكوشية ، فقد استمرت إلى حوالي عام 350 م(14) كمركز للملكة الكوشية بعد انتقال العاصمة من منطقة البركل في العصر النبتي إلى منطقة البجراوية. تمثل هذه الحقبة مرحلة هامة من مراحل التاريخ السوداني المؤثر في تطورات الهوية السودانية والإرث الحضاري للسودانيين . وانطلاقا من الدور البارز للملكتين على صعيدي السياسة والاقتصاد على المستويين المحلى والإقليمي ، فقد انصبت اهتمامات الدارسين على البحث في أصول الأسر الحاكمة وهوياتها دون التركيز على هوية الشعب الذي تشكلت منه هذه الممالك. تذهب معظم الاجتهادات إلى أن أصول هذه الأسر محلية ولا تمت بعلاقة عرقية بسلالات الملوك المصريين أو الليبيين . إلا أن بعض الباحثين يردونها إلى أصول مصرية استناداً على منهج المقارنة بين الحضارة المصرية والكوشية وما بهما من تشابه في كثير من جوانب الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية. فريق آخر من الباحثين يرجح انتماء هذه الأسر إلى أصول ليبية باعتبار أن فرعاً من الطمياح الليبيين اتجه خلال الهجرة الكبرى للقبائل الليبية إلى دنقلا عبر درب الأربعين وذلك في زمـن حكم الملك الليبي شيشنقه الأول في شمـال الوادي (920-860 ق.م )(15). وقد أعتمد أصحاب هذا الرأي - ومنهم رايزنر - في تأكيد افتراضاتهم على بعض نتائج الحفريات التي أسفرت عن وجود بعض الأثريات ذات الطابع الليبي وعلى لوحة تحمل لقب "سيدة الطمياح" للملكة تابيري زوجة الملك بعانخي . كذلك اعتمد هذا الفريق على بناءات بعض أسماء الملوك الكوشيين التي تنتهي بالمقطع "قه" والمشترك مع أسماء الملوك الليبيين كما نجده في اسمي " تهراقه " و"شيشنقه". إلا أن الباحث محمد إبراهيم بكر يذهب إلى أن هذا المقطع الذي يترجمه البعض على أنه يقابل كلمة "المبجل " لم يكن وقفاً على ملوك نبته وإنما استمر ظهوره كذلك في نهاية أسماء الملوك المرويين(16). كما نجد اليوم مقابلاً لهذا المقطع في اللغة النوبية الحالية بمعنى " الذات " مما يعني أن هذا المقطع محلي صرف متي ما ثبت أن اللغة النوبية الحالية هي نفس لغة المحليين في تلك المراحل التاريخية .


(9) Arkel, A.G., Early Khartoum, Oxford, 1949.

(10) محمد إبراهيم أبكر ، تاريخ السودان القديم ، القاهرة ، دار المعارف ،1987، ص ص 19،20.

(11) للمزيد أنظر : المرجع السابق ص 50 وكذلك :
Resiner, G.A., Excavation at Karma, 1-3,Harvard University' African Studies, 1923,pp.33-46.

* قام الباحث بإجراء مقارنة لعدد من المفردات المشتركة بين البربر والنوبة , وذلكم من خلال جلسات مع بعض العناصر البربرية.

(12) محمد سعيد محمد سالم ، أضواء على حضارة كرمة ، شعبة أبحاث السودان ، كلية الآداب ، جامعة الخرطوم ، الكراسة رقم (6) ، يوليو 1970، ص20.

(13) محمد إبراهيم أبوبكر ، مرجع سابق ، ص 50.

(14) المرجع السابق ، ص 166.

(15) المرجع السابق ، ص 103.

(16) المرجع السابق ، ص 107

(17) المرجع سابق ، ص 53 .

(18) باسكال فرنوس و جات لويوت ، موسوعة الفراعنة ، ترجمة : محمود ماهر طه ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1991، ص 218 .

(19) محمد سعيد محمد سالم ، مرجع سابق ، ص 16 .

(20) فرنوس وجالوت ، مرجع سابق ، ص ص 16 ،17 .

(21) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، (المجلد الأول ) ،بيرت، دار صادر ، بيروت ، 1982 ، ص 81.

(22) المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، (الطبعة الثانية ) ، صيدا، بيروت، المكتبة العصرية ، ، 1987 ، ص 16.

(23) ابن خلدون ، المقدمة ، مرجع سابق ، ص ص 390 ، 391 .

(24) مدثر عبد الرحيم ، الإمبريالية والقومية في السودان ، بيروت ، دار النهار للنشر ، 1981 ، ص 99 .

* رغم قناعتنا بأن النوبية ليست هوية عرقية ، فإننا نستعملها على عادة التسمية السائرة في السودان للعناصر البشرية التي تنتمي أصلاً إلى المناطق الواقعة على النيل من الأقصر تقريباً إلى الغدار ، وتشترك مع بعضها في لغات محلية .

(25) أنظر :محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 215 .

* ورد ما يدل على قوة كوش في اللوح الثاني للملك كاموس الذي وجد بالكرنك عام 1954.

* مما بشير إلى وجود علاقة ما بين الجعل والشمس، أن الأطفال كانوا يقومون بجمعها في نهار رمضان باعتبار أن هذه العملية تساعد في تقصير النهار وغروب الشمس . كذلك ذكر أحد الأسوانيين من النوبة أن عادة دفن الجعل مع الموتى ما زالت تمارس في بعض مناطق النوبة المصرية .

(26) محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان، مرجع سابق ، ص ص 7،8 .

(27) محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 166.

(28) محمد أبو القاسم حاج حمد ، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل ، (المجلد الأول ) ،( الطبعة الثانية) ، بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع ،، 1996 ، ص ص 37،38.

(29) بولم ، دينز ، الحضارات الأفريقية ترجمة :نسيم نصر ،(الطبعة الثانية) ، بيروت، منشورات عويدات ،1978، ص 43.

(30) ديفستون ، بازل ، لمحات من تاريخ أفريقيا ، ترجمة : مركز البحوث الأفريقية بسبها ،، 1996 ،ص ص32،33 .

(32) عبد الوهاب إبراهيم الزين ،الهوية السودانية بين السلوك القبلي والقومي ، رسالة ماجستير غير منشورة ، ص 42.

(31) نعوم شقير ، جغرافية وتاريخ السودان ،بيروت، دار الثقافة العربية ، 1967 ، ص 315 .

(32) أورها : محمد إبراهيم بكر من اللوح الذي عثر عليه في معبد آمون في جبل البركل عام ونقل إلى متحف القاهرة رقـــم ( 48862) .أنظر محمد إبراهيم بكر ، مرجع سابق ، ص 141.

(33) عمر حاج الزاكي ، " عوامل الاستمرارية والتغير في ملامح وادي النيل الأوسط " ، في : مجلة العلوم الإنسانية ، جامعة ناصر ، العدد الثاني،نوفمبر 1991 ، ص ص 133 ،134.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 02:13 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
         سعودية هوست للاستضافه والتصميم والدعم الفني


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة 2007م-منتديات أبناء جزيرة بدين -/ الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع بل رأي كاتبها