قضية الوحدة الوطنية فيي السودان الحلقة الخامسة - منتديات أبناء جزيرة بدين

 

 



 عدد الضغطات  : 7213

 عدد الضغطات  : 6984



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
#1  
قديم 08-19-2010, 09:09 PM
Image Hosted by
د. عبدالوهاب الزين غير متصل
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل : Dec 2008
 فترة الأقامة : 3984 يوم
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم : 14
 معدل التقييم : د. عبدالوهاب الزين is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قضية الوحدة الوطنية فيي السودان الحلقة الخامسة



الحلقة الخامسة
الاستعلاء القبلي احد الموجهات المسكوت عنه في السلوك السودانيين ، والذات القبلية ما زالت تغلب على الذات القومية فهل هناك مبررات لمثل هذا السلوك ؟ وهل نجد في تاريخ السودان ما يبرر مثل هذا السلوك الذي يعيق التكامل الوطني في إطار السودان الأمة ذ1ن علينا أعادة كتابة وقراءة تاريخ السودان لا كما كتبه الأجانب ولا كما العروبيون على هواهم....

الذات القبلية في السودان

مفهوم الذات القبلية :
القبلية لها مفهوم اجتماعي يعبر عن علاقات ترابطية بين أفراد ينتمون إلى أصول قرابية مشتركة. وتعتبر مثل هذه العلاقات من أولى صور التضامن الاجتماعي التي تبدأ بارتباطات عاطفية قوية في نطاق الأسرة التي تشكل الحلقة الأولى في الانتظام الاجتماعي العام . مع تمدد الأسرة إلى بطون وأفخاذ وعشائر تتوسع نطاق العلاقات وتقل العلاقات العاطفية تدريجياً لتحل مكانها علاقات مصلحية بين أعضاء المتحد الذي يتمحور حول الجد الأعلى والذي غالباً ما يتمسك الأفراد بالانتماء إليه وربما تأتي تسمية القبيلة باسمه . وإن كان الاجتماع على مستوى الأسرة مبنياً على علاقات وجدانية وعاطفية، فإن الاجتماع على مستوى القبيلة مبني على ركائز مادية صلبة تمنح الفرد إحساسه بذاتيته المميزة داخل المتحد القبلي الذي ينتمي إليه .
قبل انتظام البشر في نطاق الدولة القانونية المدبرة لأحوالهم ، كان حال الهوية القبلية والتجميع على أساس العرق شأناً تستدعيه ضرورة المعايشة والمدافعة بين أهل النسب المشترك . فنجد بعضاً من علماء الاجتماع من أمثال ابن خلدون يؤكدون على أهمية مثل هذا التجميع القبلي لما فيه من التحام توجبه صلة الرحم ولما لهذا الالتحام من نعرة ومناصرة(1). أما وأن تظل صورة القبلية في هذا الإطار الاجتماعي وبما يكتنفه من تكاتف وتعاون بين أفرادها ، فهي صورة محمودة الجانب، لا يضار منها الآخرون من أفراد المتحدات القبلية الأخرى . وفي مثل هذا المجتمع غالباً ما تسود قوانين العرف والتقاليد ، وتسود علاقات القرابة بدلاً عن العلاقات الطبقية ، وتسود سلطة شيخ القبيلة المرتبطة غالباً بسلطة المقدس في بعض المجتمعات القبلية وبما يحوزه من مال وممتلكات في بعض المجتمعات الأخرى. ويظل العمل المشترك وتبادل المنافع بديلاً عن تقسيم العمل ونظام الأجرة والتبادل التجاري . إلا أنه مع ظهور الدولة بمؤسساتها ونظمها ،قد تختفي الصورة المثالية لمجتمع القبيلة كمؤسسة اجتماعية لها خصوصياتها الاقتصادية والإدارية ، وتتحول إلى إطار سياسي خاص تسعى من خلاله للهيمنة القبلية في ظل الدول التي تتميز بتعدديات قبلية متنافسة على مقدرات الدولة الاقتصادية منها والسياسية . و"الإطار السياسي " ،بصورة عامة تتوفر في نطاق القبيلة حتى في مجتمعات اللادولة . فقد يتمثل في كل نشاط يتعلق بالحضور والمشاركة في الشئون العامة لمجموعة من الناس جمعتهم الصدفة أو الاختيار مع بعضهم البعض، حسب رؤية فنسنت (2) . و يمتد إلى أبعد من نطاق الدولة والحكومة إلى طريقة تكوين الجماعات وشروط استقرارها ، حسب تعبير جان مينو(3) . ويمكن اقتفاء "السياسي" في أشكال الأعمال التي تسعى إلى تأمين الارادات الجمعية القائمة على تضامن المجتمع حسب مفهوم برتراند بادى واوجين دوبريل وجان هيسارات(4). هذه الشروط التي يؤكد عليها كثير من الباحثين لانبعاث "السياسي" ، تتوفر في المجتمعات القبلية، إلا أن هذا الإطار قد يتخذ طابع التنافس والسعي لفرض الهيمنة القبلية في بعض المجتمعات الدولتية . عندئذٍ يتمحور خطاب القبلية في التمركز حول الذات القبلية بمؤشراته المتمثلة في النظرة الدونية للآخرين وتقييم ثقافات القبائل الأخرى بمعيار ثقافتها الخاصة. وتقوم القبيلة بتقديم القرابة نفسها داخل البناء القبلي نموذجاً ولغة "للسياسي" . بمعنى آخر تعبر العلاقات السياسية عن نفسها بكلمات القرابة ، وتكون استعمالات القرابة إحدى الوسائل الإستراتيجية التي تستخدمها القبيلة من أجل المكاسب السياسية .
قد تسعى القبيلة إلى الولوج في الحقل السياسي مع بروز مهددات التضامن الداخلي والتوازنات القائمة داخل المتحد القبلي . وقد تمظهرت المهددات الداخلية في العشائرية السودانية في مظاهر عديد منها :
- النزاعات الأسرية داخل القبيلة حول ملكية الأراضي وحول المراعي واستحواذها .
- التناقضات التي تحدث بين أفراد القبيلة حين يسعى البعض لتوجيه الآخرين في اتجاه مصالحهم الخاصة متجاوزين بذلك صلات القربة وما تفرضه من التحام المصلحة العامة للقبيلة . عندئذٍ يظهر "السياسي" كوسيلة لاحتواء هذه التناقضات.
- اللاتماثلات في أصل المواطنة وبروزها نتيجة للمصاهرات الخارجية والتي تولد وضعاً جديداً للمولدين عن هذه المصاهرة داخل أطر الانتساب إلى المواطنة القبيلية.
- التمايزت التي نجمت تاريخياً عن ظاهرة الرق والعبودية ووضع الأرقاء ما بين الانتساب الاسمي والرؤية الفعلية حول انتمائهم لوطن القبيلة .
- ظهور النخبوية داخل المتحد القبلي كما هي الحال في ظهور نخبات دينية تحاول احتكار العلاقة بالمقدس ورموزها السيادية . وهذا ما يؤدي إلى تصنيف أفراد القبيلة إلى عامة وصفوة تدًعي توجيه العامة إلى حكمتهم وعلمهم ومعرفتهم. يتطلب هذا الأمر نوعاً من العمل السياسي الذي يستوجب إعادة التضامن الاجتماعي بين أفراد القبلية.
- التحللات التي تحدث في بنية المجتمع القبلي نتيجة للهجرة من وإلى داخل نطاق القبيلة .
إن طبيعة العمل السياسي الناجم عن موترات التضامن الداخلي ومهدداته ليست بالضرورة عملاً سلطوياً قسرياً . فهناك -على حد قول جورج بالانديه - اواليات غير اكراهية تساهم في تجديد التضامن وإعادة التوازن الداخلي، كما هي في حالة الطقوس التي تحقق تجديداً دورياً واتفاقياً لمجتمع القبيلة ويعيد التضامن بين أفراده(5) .
بجانب ظهور "السياسي" كضرورة للحفاظ على التضامن الداخلي ، وكقوة ضد تفكك القبيلة وضعفها ، يتعزز كذلك كضرورة خارجية تمظهرت تاريخياً في صور عديدة في نطاق القبلية الإقليمية في السودان؛ ومن هذه الصور :
- النزاعات التي تحدث نتيجة لعمليات النهب من القبائل الأخرى والتي تستدعي إما عملاً سياسياً لاسترداد المسلوب بطريقة سلمية أو عملاً مسلحاً تؤدي إلى المزيد من التوتر بين القبائل .
- صد العدوان والغزوات الخارجية التي تستهدف القبيلة وممتلكاتها . وقد يؤدي ذلك إلى ظهور قيادة عسكرية بجانب الزعامة السياسية .
- وكما يتعزز السياسي في إطار البعد العدواني بين القبائل ، فإنه يتعزز كذلك من خلال العلاقات ذات الطابع الوفاقي في المعاهدات والاتفاقيات والتحالفات وعلاقات حسن الجوار وصور الاتحادات القبلية كما كان الأمر في الاتحاد السناري الذي تشكل من تحالفات قبلية مختلفة .
- تمجيد الأرومة العرقية للقبيلة وقوتها ووحدتها وسيادتها ورموزها أمام القبائل الأخرى .
- التفاوتات الاقتصادية الناجمة عن علاقات الإنتاج وشروطها مع بداية اقتصاديات المشاريع واقتصاديات السوق وتراجع الاقتصاد الاكتفائي . الإحساس بالغبن الاقتصادي الناجم عن عدم التوزيع العادل للثروة القومية بين الأقاليم ، شرط لبروز الإحساس بالتفاوتات الاقتصادية بين القبائل الواقعة في نطاق الأقاليم المظلومة .
- وأخيراً لعبت الأحزاب السياسية السودانية دوراً كبير في تسييس القبائل ، حينما عجزت هذه الأحزاب ، حتى الموصوفة منها بالسمة القومية أو الأممية ، من أن تكون أحزاباً قومية دون الاعتماد على تقليد حقيقي يكفل لها الاستمرار، دون العودة إلى اللغة القديمة بقبائلها ورموزها وطقوسها وطوائفها وتناقضاتها . ولم تستطع تلك الأحزاب من أن تحرر نفسها نهائياً من خصوصياتها القبلية والجهوية. كما وأن قيادات بعض هذه الأحزاب التي وصلت إلى مراكز السلطة ، لم تتمكن من تجنب توزيع السلطة والنفوذ حسب الفئات العرقية والدينية. وفي هذا الصدد يؤكد المحجوب ، أن التركيب القبلي وتسييسه في فترات الحكم البرلماني كان له تأثير كبير على دينامية الأحزاب السياسية وقدرة أي منها على تشكيل الحكومة بمفرده(6).
إن القبلية تظهر بوجهها السياسي المستهجن ، المتمثل في علاقات الهيمنة والخضوع، عندما تتوقف القبيلة عن نموذجيتها الاجتماعية المثالية، وتسخر تضامن أفرادها ونعرتهم إلى سلوك عنصري وأيديولوجية سياسية في مجتمع الدولة لإحداث توترات في بنية الدولة الوطنية التي تتشكل من تعدديات قبلية مختلفة . إن التطور السيكولوجي والوجداني لأفراد القبيلة على مرجعية التفوق العرقي والثقافي للقبيلة، نتيجة لتراكمات التنشئة القبلية، يؤدي إلى بروز الذات القبلية على حساب الذات القومية. وعليه فإن الذات القبلية بهذا المفهوم يعبر عن توجهات الفرد الإيجابية نحو قبيلته عل حساب توجهاته القومية . وتترتب على وجود مثل هذه التوجهات في الدولة الوطنية، إعاقة السلوك القومي الذي يفضي إلى كمال الوحدة الوطنية. ولا شك أن السودان كدولة تعددية، يتميز بوجود توجهات قبلية تتطور أحياناً إلى نوع من الصراع القبلي والإقليمي الذي يهدد بنية التكامل القومي . فهل نجد في التاريخ السوداني ما يبرر مثل هذا السلوك من مقومات النقاء العرقي والقبلي ؟ أم كان لحركة التاريخ السوداني قدرة على مزج العناصر العرقية المختلفة في بوتقة البيئة الطبيعية والحضارية ؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات تستدعي عودة إلى تاريخ القبلية وهوية الأعراق في السودان، وقراءة هذا التاريخ قراءة موضوعية وبعيدة عن الأنوية الثقافية أو العرقية.


(1) ابن خلدون ، المقدمة ، تحقيق : على عبد الواحد وافي ( الجزء الثاني ) ، (الطبعة الثانية ) ، القاهرة ، دار نهضة مصر للطبع والنشر والتوزيع ، 1401 ه .

(2) فنسنت ، أندرو ، نظريات الدولة ، ترجمة : مالك أبو شهيوة ومحمود خلف، بيروت ، دار الجيل ، 1977، ص 19.

(3) مينو ، جان ، مدخل إلى علم السياسة، ترجمة: جورج يونس ، بيروت ، منشورات عويدات ، 1986، ص ص 77-80.

(4) نفسه .

(5) بالانديه، جورج ، الأنثربولوجيا السياسية ، ترجمة : علي المصري ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1990، ص55.

(6) محمد أحمد المحجوب ، ص 205.



 توقيع : د. عبدالوهاب الزين


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 02:39 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
         سعودية هوست للاستضافه والتصميم والدعم الفني


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة 2007م-منتديات أبناء جزيرة بدين -/ الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع بل رأي كاتبها