قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى - الصفحة 2 - منتديات أبناء جزيرة بدين

 

 



 عدد الضغطات  : 7213

 عدد الضغطات  : 6984



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 08-20-2010, 12:57 AM   #11
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة الثامنة


هوية العرب المسلمين الوافدين إلى السودان

يتحدث التاريخ وأيام العرب عن الصراعات القبلية التي سادت جزيرة العرب في عصور ما قبل الإسلام . فقد كانت الأقوام التي سكنت الجزيرة العربية تستمد أصولها من أجناس مختلفة جمعتها اللغة باختلاف لهجاتها أكثر من وحدة الأصول العرقية. إذ أن كثيراً من الباحثين يجعلون من اللغة العربية ومن تكلم بها أساساً للأرومة العربية فكانت العرب البائدة والعاربة والمستعربة التي تفسر عروبتها على أساس اللغة العربية مقابل اللغات الأعجمية . وكما اعتبرت الشعوب البابلية والآرامية والآشورية في عداد الشعوب العروبية التي دخلت في تكوين الحضارة العربية . لذلك يمكن القول بأن الشعوب التي سكنت الجزيرة العربية لم تكن تمتع بالتجانس العرقي ووحدة السلالة بقدر ما كانت عشائر وقبائل يسودها فيها قانون الصراع القبلي بطابعه الصدامي والتنافسي ، وتتميز نعرتها العصبية التي تشتد مع بروز خطر يهدد أفراد القبيلة(40).
بعد ظهور الإسلام واعتناق معظم القبائل العربية الدين الجديد ، تمكن الإسلام من جمع القبائل العربية المسلمة إلى حظيرة الدين الجديد . ولأن الدين الجديد جاء بصفة الشمولية وعلى العكس من معظم الديانات السابقة التي اختصت بأقوام معينة ، فقد انتفت في هذه العقيدة السمة القومية ذات الطابع العنصري من منطلق "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ".
في بداية الدولة الإسلامية كان "الديني" طاغياً على "السياسي" و"القومي" معاً، ذلك لأن الرسول(ص) قد جمع في حياته ما بين "المقدس" و"السياسي". فعمل على تنظيم شئون الأمة بتبليغ مباشر من الوحي. وتمثل دوره في جانبيٌ النبوة والقيادة الروحية والسياسية . وبهما ترجم الوحي الإلهي إلى مجتمع سياسي، جامعاً بذلك في حياته بين النظـرية والتطبيق(41). وكان بذلك المحور الذي تدور حوله الجماعات كمصدر لقيم العدالة العاملة على تنظيم هذه الجماعات باعتبارها جماعات الرسالة والوحي(42). وبانقطاع الوحي تمكن المسلمون القرشيون من تنظيم الدولة الإسلامية بإرساء قواعد الخلافة على هدى من المبادئ التي أرساها الرسول (ص). وفي العصر الراشدي الأول تقلد الصحابيان ، الصديق ثم الفاروق مقاليد القيادة الدينية والسياسية بأولوية المجاهدة في سبيل الدين الجديد وبحسن الصحبة للرسول (ص) . ولم يكن لاختيارهما الشوريٌ علاقة بالانتماء إلى بيت النبوة بقدر ما كان هذا الاختيار مبنياً على أسس الصحبة الوفية والمجاهدة الصادقة . وقد تمكن الشيخان ، اللذان شهدا معترك الحياة القبلية قبل الإسلام، من المحافظة على التوازنات القبلية حديثة العهد بالدين الجديد . فتمكنا من المحافظة على هيبة المجتمع وسلامته ببقية من موقعهما القريب من سلطة المقدس ، رغم ما اعترى المجتمع الإسلامي في عهديهما من فتن بدأت باختلافات يوم السقيفة في السنة الحادية عشرة للهجرة ( 632 م) وعبرت عن بداية الصراع على السلطة . وفتنة المرتدين التي اعتبرت أول شرخ في جوهر العقيدة الجديدة ، وقضايا مانعي الزكاة ومحنة عام الرمادة التي أصابت الدولة الإسلامية الناشئة في بنيتها الاقتصادية . ومآزق الخروج عن الطاعة وظهور مدعي النبوة المتطلعين إلى حيازة المقدس لأهداف سياسية .
وقد أثبتت التجارب اللاحقة انفصام "السياسي" عن "الديني" حين لم يعد الانقياد الطوعي للتدابير النبوية مشروطاً على جماهير الأمة ما لم تلتزم القيادة السياسية بشروط البيعة، وحيث لا مجال للعصمة بعد انتقال المعصوم إلى الرفيق الأعلى ، وما دامت تلك القيادات عرضة لتجربة الصواب والخطأ . فأصبح "السياسي" طاغياً على "الديني". " فكانت مساعي قريش وتحركاتها لفرض هيمنتها على باقي القبائل العربية ، فكان الصراع بين البدو والحضر وبين قريش والأنصار ، بل وبين القرشيين أنفسهم . وبدت العشائرية القبلية في حكم البيوتات الأموية والعباسية ، مثلما اشتد الصراع على السلطة داخل البيت الواحد ولدرجة اعتماد المتصارعين أحياناً علي قوى خارجية لمساندة أسرة على أخرى لحيازة السلطة والحكم. إلا أن "الديني " أو "المقدسي" يظل في وجدان الناس في أي زمان ومكان في معظم المجتمعات . لذلك لم تعترف بعض الفرق والجماعات الإسلامية بشرعية أي سلطة سياسية ورفضت التبعية لأي حاكم . ولعل في هذا سبب كاف لإجبار الفاعلين السياسيين في الدولة الأموية والعباسية على توزيع أدوارهم ما بين المرجعية السياسية والمرجعية الدينية . ولعل الرجوع إلى المرجعية الدينية كان تسخيراً لخدمة الأهداف السياسية وبناء إمبراطورية قادرة على تجاوز التفكك الناجم عن نظام عشائري طوائفي وذلك بتنغيم نموذج الحكم مع نموذج ديني شديد التعبئة بطموحه السياسي وبطابعه الواحدي(43).
من هذه المجتمعات خرجت الهجرات العربية إلى السودان . من مجتمعات تتفرق بها السبل في إطارها المقدسي ما بين غلاة فرق الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرها، ناهيك من أن تتمكن من جمع العرب كأمة وتوحيدهم في إطار قومي يشكل قوة قومية في مجابهة القوميات الأخرى . مجتمعات ما زالت متأثرة بحمياتها القبلية القديمة ومرجعياتها البدوية والحضرية . مجتمعات تتصارع فيها قياداتها السياسية على السلطة وتستند على الشعوبية والطوائفية في تثبيت حكمها وديمومة سلطتها . لذا فإنه من المشكوك فيه أن يكون المهاجرون إلى السودان من مثل هذه المجتمعات ، قادرين على تشكيل مجموعات متجانسة ذات أيديولوجية عروبية بمفهومها القومي والعنصري الشامل ولدرجة تمكٌن هذه المجموعات المهاجرة من أن تكون قوة عرقية مناهضة للأعراق التي تستقر معها.
جاءت أفواج العرب إلى السودان أول ما جاءت بعد الإسلام ، جماعات وفرادى ، ومن أماكن متعددة ، ومن أصول عرقية مختلفة ، وخلفيات حضارية متباينة . ولعل مما يؤكد هذه التباينات اختلاف اللهجات العربية في الســودان . هذا الاختـلاف الذي اعتمد عليه عبد المجيد عابدين منهجية في رد القبائل العروبية في السودان إلى جذور قبلية وحضارية متباينة فيما بينها قبل وفودها إلى السودان(44). هذه القبائل كانت تختلف فيما بين البداوة الرعوية والحضرية التجارية والدينية ، مثلما كانت تختلف في تموضعاتها الجغرافية في المواقع المختلفة . فقبائل جهينة التي انتقلت منها موجات كبيرة إلى السودان وتفرقت على بقاعه شرقاً وغربا ً، نزحت أساسًا من منطقة الشمال الغربي من الجزيرة العربية التي سكنتها بطون من قضاعة وكهلان(45). جاءت هذه المجموعات مروراً بمصر وانتشرت في بقاع واسعة من السودان في عصر الفنج ، واشتقت عنها قبائل كثيرة استقرت في مواقع مختلفة(46). ومن القبائل اليمنية نزحت بطون من سعد العشيرة من مذحج إلى صعيد مصر ، ومنه تحصلوا في القرن الثالث الهجري على حق الإقامة في منطقة المريس من أرض النوبة . ومن قبائل غربي نجد هاجرت قبائل بنى هلال وبني سليم وبني فزارة ، وجميعهم من قيس عيلان ، اشتهر منهم الهلاليّون الذين وفدت بطون منهم إلى السودان ضمن حملة السلطان قلاوون على بلاد النوبة عام 686 هجري(47). ونزحت من القبائل الحضرمية مجموعات استقرت بشرق السودان منذ القرن الأول الهجري وعرفت محلياً باسم الحداربة وربما تحريفاً من اسم القبائل اليمنية الأصل التي تعرف بالحضارمة. وجاءت مجموعة من بني حنيفة وسكنت أرض المعادن بالعلاقي وإليهم ينتمي الكنوز الذين يعيشون في شمال السودان وعلى النيل الأبيض شرقي الدويم(48). أما من منطقة الخليج فقد وفدت بنو ربيعة عام 328 هجري وتحالفوا مع البجة ضد عرب الحجاز ومضر وأجلوهم عن المنطقة . كما وأنهم تزاوجوا مع البجة فكان منهم البشاريون الذين انتشــروا على طول المناطق الشمالية الشرقية من السودان(49).
نرى من خلال هذه الأمثلة من القبائل العربية التي هاجرت لتستقر في السودان ، أنها جاءت من أصول عربية مختلفة ومن مواقع جغرافية متباينة . جاءت هذه القبائل وفيهم شيْ من العصبية القبلية وكثير من الولاء العشائري والتمذهب الطائفي ولا سيما في أوساط المجموعات التي هاجرت في العصرين الأموي والعباسي . فإذا ما تبين لنا أن المجموعات التي دخلت السودان ، جاءت من مشارب شتى ، بولاءات قبلية ومذهبية متباينة ، ومن أرضيات حضارية مختلفة ، فهذا يعني أن هذه المجموعات لم تكن متجانسة إلى حد تشكيل مجموعة عرقية أو حضارية واحدة مقابل المجموعات العرقية والمحلية في السودان . إذاً فلابد من أن هذه المجموعات اختارت أن تتمازج في العناصر المحلية وتنصهر فيها متنازلة بذلك عن عصبياتها السابقة . وربما كان في هذا الخيار ما حدا ببعض من هذه المجموعات التي جوبهت بتحديات محلية ، ومن منطلقات اقتصادية ، أن تسعى للاتحاد مع مجموعات محلية لتأسيس كيان سياسي يعمل على امتصاص النزاعات الاقتصادية حول المراعي في مناطق سوبا .
الأهداف الإستراتيجية للعرب الوافدين إلي السودان :
هناك نموذجان واضحان لأنماط الهجرات العربية ، هجرات فردية أو في شكل مجموعات نجمت عن دوافع اقتصادية أو دينية . وهجرات أخرى تمت نتيجة للغزو والإزاحة وأدت إلى استقرار الفاتحين في البلاد التي تم فتحها بواسطة الجيوش الإسلامية . ولم يخلو النمط الآخر من أهداف اقتصادية ودينية وسياسية كانت مرتبة في أولوياتها حسب الحكم والقائمين عليه في مركز الخلافة في المدينة أو في دمشق أو في بغداد أو في غيرها من مراكز الحكم في الإمبراطورية الإسلامية . من ضمن هذه الأولويات يأتي الهدف السياسي من توجه الجيوش الإسلامية نحو الأمصار المختلفة ، لإقامة نظام سياسي فيها وربطه بالخلافة الإسلامية . وبالفعل تمكن المسلمون من إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية ونظام حكم قوي بما توفرت لديهم من قوة عسكرية وهيمنة على الاقتصاديات المحلية . ومن خلال هذه المؤسسات القوية وربما بأسباب من ضعف البيئات المحلية ، مع وجود هيمنة أجنبية في هذه البلاد ، تغلبت التوجهات الإسلامية في كثير من هذه الأمصار . وهذا ما أدى في كثير من الحالات إلى طمس الهويات المحلية وإذابتها في هوية الوافدين.* ولقد كانت الهجرات العربية الوافدة إلي السودان في غالبيتها من النموذج الأول . أي من ذلك النمط الذي تكون دوافعه اقتصادية . ولا نعتقد أن الجيوش الإسلامية قد اتجهت صوب السودان لإقامة ولاية إسلامية تتبع مركز الخلافة على غرار الولايات الإسلامية الأخرى . ذلك لأن العرب قد عرفوا طبيعة السودان وسمعوا عن مراعيه الخصبة وكنوزه المطمورة في بادية كوش ، وعلى ما يؤكده المقريزي من وجـود الزمرد وأجود أنواع الذهب ومعادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وغيرها(50). هذه الطبيعة الاقتصادية كانت تغري المسلمين العرب بالتوغل في الأراضي السودانية بداية من وقت كانت فيه الخلافة الإسلامية مقبلة على أزمة اقتصادية حادة أدت إلى ما عرف بأزمة عام الرمادة . فقد تمكن عمرو بن العاص من فتح مصر سنة ست عشرة من ربيع الأول قبل عام الرمادة ، وفكر في بعث جيوشه إلي السودان في تاريخ قريب جداً من عام الرمادة(51). ولابد أن ابن العاص كان يتطلع إلي تأمين تمويل اقتصادي من أرض الماء والكلأ والمعادن ، ولاسيما والنيل كان يغيض في كثير من المواسم وتتعرض ولايته في مصر إلى الجفاف . يشير ابن أعثم الكوفي إلى مثل هذا لاستهداف الاقتصادي بقوله "أن فرقاً من جيش ابن العاص أخذت تغير على أموال النوبة ،.. فجاء رد النوبيين في الدفاع عن أموالهم في مائة رجل عزموا على حرب المسلمين ،.. فكانت حرباً لم يشهد المسلمون مثله من قبل .. فرجع ابن العاص دون أن يقدر منهم على أسير واحد ولا دينار واحد"(52), ولعل هذا الفشل العربي في إخضاع النوبة وتحقيق الأهداف الاقتصادية ، هو الذي قاد ابن العاص إلى التركيز على الجانب الغربي من حدود ولايته ، ومصالحة البربر على ثلاثمائة رأس من السبي ومثلها من الأنعام ومصالحة أهل برقة على خمسمائة من السبي وثلاثمائة غلام ومائتي جارية ومثل ذلك من الماشية(53). والملاحظ في هذه الاتفاقيات أنها أبعد ما تكون عن روح الدين الإسلامي وتعاليمه ومثله . وهي اتفاقيات تبدو اقتصادية التوجه ولاعلاقة لها بمبادئ الإسلام ولا بقيمه . وهي ذات التوجهات التي تبدو في نصوص الاتفاقية التي عقدها ابن أبي السرح عندما سأله النوبة الصلح فأجابهم إلى ذلك على ثلاثمائة رأس وستين من الرجال على أن يعطوا مقابله قمحاً وخلاً وخمراً وثياباً وفرشاً أو قيمتها(53).* هذه الاتفاقية أشبه باتفاقيات التبادل التجاري في سلع مستهجنة التصدير عند كل طرف . إن تصدير رؤوس البشر سلعة يقايض بها الخمر والقمح ، وصمة في جبين المصدر النوبي ، وقبولها من الطرف الآخر وصمة أخرى في جبين حملة الرسالة السامية التي جاءت لترسي دعائم الحرية والكرامة الإنسانية . كما وأن فرض القمح على الجانب العربي وهو سلعة نادرة عند العرب فيه تعجيز لهم . هذا بجانب الخمور الواردة في نصوص الاتفاقية والتي يحرم على المسلمين حملها ، ناهيك من أن تضمن في اتفاقية يلتزمون بها . ولعل في مثل هذه الاتفاقيات ونصوصها دلالات كافية على غلبة التوجهات الاقتصادية وجوانبها المادية في كل من حركتي الأفراد والجيوش الإسلامية التي دخلت الأراضي السودانية . وعليه فإن ابن أبي السرح لم يكن يزمع إنشاء ولاية إسلامية في السودان وإقامة حكم عربي كفكرة مسبقة ضمن استراتيجية مخططة ، بقدر ما كان الهدف هو الحصول على مكاسب مادية بجانب تأمين الحدود الجنوبية لمصر من مناوشات السودانيين من البجا والنوبة . كما وأن فكرة نشر الإسلام على أصوله لم تكن مطروحة لدى أولئك البدو الذين أمٌنت لهم اتفاقية البقط التدفق جنوباً إلى المناطق الرعوية الخصبة . أولئك البدو الذين ما جاءوا حسب ما يقوله يوسف فضل ، كدعاة متفرغين للدعوة الإسلامية ، وإنما حمل لواء الدعوة من بعدهم الفقهاء من المحليين ، كما كان الأمر مع النوبة والبربر والغالا(54). وبأسباب من وصول البدو إلى تخوم علوه الفتية ، ولأهداف اقتصادية لا علاقة لها بالمركزية الإسلامية وخلافتها ، تحالفوا مع قوى محلية صاعدة لتشكيل سلطة سياسية لحسم الصراعات التي كانت تدخل فيها القبائل العربية الوافدة مع الجماعات المحلية . تلك الصراعات التي تمثلت في "تعدد الصدامات القبلية لبسط النفوذ على المراعي أو في محاولات طرد المقيمين الأوائل أو الإغارة على المناطق النهرية"(55). وبقيام الاتحاد السناريٌ وبروز العبدلاب الذين ينتمون إلى عبد الله الجهيني كأقوى عشيرة من بين اثنين وخمسين قبيلة جهينية ، بدأ الطابع القبلي يتقولب داخل التركيبة السياسية السودانية وبصورة أكثر وضوحاً .


(40)محمد عابد الجابري ، العقل السياسي العربي ، مركز دراسات الوحدة العر بية ، بيروت ، 1983 ، ص 79 .

(41) دكمجيان ، ريتشارد هربر ، الأصولية في العالم العربي ، ترجمة : عبدالوارث سعيد ، (الطبعة الثانية ) ، المنصورة ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ، 1989 ، ص 32 .

(42) أنظر : برهان غليون ، نقد السياسة : الدولة والدين ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1973 ، ص ص 42 ، 43 .

(43) برتراند بادى ، الدولتان ، مرجع سابق ، ص ص 34 ،35 .

(44) عبدالمجيد عابدين ، أصول اللهجات العربية في السودان ،الأسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 1989 ، ص ص 17 23

(45) المرجع السابق نفسه .

(46) أنظر :زكي البحيري ، مرجع سابق ، ص326 .

(47) عبدالمجيد عابدين ، مرجع سابق ، نفس الصفحات .

(48) المرجع السابق نفسه .

(49) ذكرها جعفر مرغني في حديث لتلفزيون السودان .

* يجب ملاحظة أن التوجهات العروبية في تلك الأمصار لم تكن مرتبطة بأهداف قومية بمعناها الأيديولوجي ، لأن الأهداف القومية بمعناها العرقي وكأيديولوجيا سياسية لم تكن قد تبلورت بعد .

(50) معظم الكتاب والرحالة العرب القدماء الذين زاروا هذه المناطق أكدوا على وجود المعادن النفيسة في بادية كوش التي عرفت بأرض المعادن.

(51) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ( المجلد الثاني ) ، بيروت ، دار صادر ، 1979 ، ص 564 .

(52) ابن أعثم الكوفي ، الفتوح ، ( المجلد الأول ) ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1986 ، ص 265 .

(53) المرجع السابق ن ص 267 .

(53) البلاذري ، فتوح البلدان ، تقديم : إبراهيم بيضون ،، بيروت دار أقرأ ، 1992 ، ص ص 339-341 .

*لم يرد في عهد الأمان الذي منحه عبدالله بن أبي السرح لعظيم النوبة والموثق في كتاب علاقات الرق في المجتمع السوداني لمحمد إبراهيم نقد ، ذكر للسلع التي ذكرها البلاذري والمشروط على المسلمين دفعها للنوبة . ويقول نقد عن البحتري "أن المهدي أمير المؤمنين هو الذي أمر بإلزام النوبة في كل سنة ثلاثمائة وستين رأساًً وزرافة ، على أن يعطوا قمحاً وخلاً وخمراً وثياباً وفرشاً أو قيمته . أنظر في ذلك :-
محمد إبراهيم نقد ، علاقات الرق في المجتمع السوداني ، القاهرة ، دار الثقافة الجديدة ، 1995 ص ص 27-31.

(54) يوسف فضل حسن ، العرب وأفريقيا ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1981 ، ص 29.

(55) أنظر : جعفر طه حمزة ، " الاتحاد السناري: التكوين والتطور السياسي في سلطنة سنار" ، في: مجلة الثقافة السودانية ، العدد الثامن ، نوفمبر 1978 ، ص47 .


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:09 AM   #12
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى




الحلقة الثاسعة
هوية البيئات السودانية عند وفود العرب المسلمين

لقد تبين مما سبق أن العرب المسلمين جاءوا من بيئات متباينة ما بين الحضرية والبدوية ، ومن مواقع مختلفة ما بين اليمنية والحجازية ، ومن أصول قبلية متعددة ما بين العدنانية والقحطانية وغيرها من البيوتات والعشائر والقبائل العربية . وأكدنا على أن الهدف الاقتصادي كان هو الدافع الأساسي لوصولهم إلى السودان ، وأنهم لهذا الهدف تحالفوا مع العناصر المحلية لتشكيل أول كيان سياسي أضفى الصبغة القبلية في الوسط والشمال السوداني في أوائل القرن السادس عشر وذلك على أنقاض الممالك السودانية القديمة والتي نفينا عنها صفة العرقية والتوجهات القبلية رغم إيماءات التسميات التي لا تدل إلا على هوية الأرض . فإذا كانت تلك هي طبيعة البيئات العربية الوافدة ، فكيف كانت هي البيئات المحلية حين وفدت عليها البيئات العربية الجديدة وعملت معها على تشكيل القبلية الجديدة؟
التعريف الإجرائي لمفهوم البيئات السودانية
للوصول إلى فهم صحيح لما نعنيه هنا بالبيئات السودانية ، لابد من تعريف واضح لمصطلح البيئة ومؤشراته المختلفة . فالبيئة كما يعرفها قاموس اكسفورد هي تلك الأحوال التي تعبر عن طبيعة الأرض وما بها من مياه وما يحيطها من أجواء مناخية يحاول الإنسان والحيوان أن يتكيف معها لممارسة الحياة(56). وهي بهذا المفهوم تعني البيئة الطبيعية التي نشير إليها في هذا المبحث كعنصر واحد من العناصر المختلفة التي تشكل البيئة الكلية بجانب البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية . يذهب فلدمان (R.S.Feldman, 1996) إلى ربط السلوك البشري بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها الناس ، وتأثير تلك البيئة في تحديد سلوكهم وأنماط علاقات بعضهم بالبعض(57). ولأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا مع بعضهم دون وجود ثقافة أو طريقة حياة ، فإن الثقافة السائدة بين مجموعة بشرية تعتبر كائناً واقعيًا تدخل في تصميم خصائص البيئة العامة للمجتمع وتعمل عملها في دواخل الأفراد دافعة بهم أن يسلكوا وفق طرق محددة وفارضة عليهم إطاراً علائقياً معيناً . كما تعمل خارج نطاقهم في الصور الجمعية التي ينبغي عليهم التطابق معها(58).
وعندما يتكيف الناس مع البيئة الطبيعية عبر هذه الطرائق السلوكية المعينة ، تنشأ في مجالها بيئة ثقافية تحدد علاقات الناس بعضهم بالبعض . ومادامت "البيئة تتمثل في سلوك مجموعة الأفراد الذين يعيشون في صعيد واحد ومجموع ما يحيط بهم ، وما دام أولئك الأفراد قد يتأثر بعضهم بالبعض ويؤثر عليهم ما يحيط بهم ، فكذلك الثقافة تتأثر بأولئك الأفراد ، سائرة على قدر مطامعهم وتخيلاتهم فهي متأثرة بالبيئة وتكاد تكون خاضعة لها"(59).
من هذه التعريفات المختلفة للبيئة يمكن أن نتوصل إلي تحديد مفهوم يمكن استخدامه إجرائياً في هذه الدراسة على النحو التالي :
1-البيئة الطبيعية : وهي ما تتميز به رقعة معينة من خصائص يعبر عنها الموقع الجغرافي وأحوال المناخ والمصادر الطبيعية من مياه وموارد وغيرها . وهي العنصر الثابت الذي لا ينتقل من مكان إلى آخر ، بقدر ما تتنقل مع الإنسان تأثيرات هذه البيئة بانتقال الإنسان من بيئة طبيعية إلى أخرى .
2- البيئة البشرية : وتعبر عن الناحية التصنيفية للبشر بمنظور علم الأجناس وبمنظوره الأنثروبولوجي . وهي بيئة قابلة للتعديل أوالتغيير بانتقال الإنسان من بيئة طبيعية أو حضارية إلى بيئات أخرى تختلف في خصائصها .
3- البيئة الحضارية: ويشير إليها البعض بالهيئة الحضارية cultural landscape وتتمثل في سلوك الأفراد ونمط العلاقات القائمة بين الأفراد في بيئة طبيعية معينة. وتتمثل في تراكمات الحدث المشترك بين الأفراد كالعادات والتقاليد واللغة والتاريخ المشترك . وهي قابلة للتأثير في البيئات الحضارية الأخرى والتأثر بها . تلاقح البيئات الحضارية تفضي إما إلى غلبة بيئة حضارية على أخري ومن ثم انكفاء البيئة المغلوبة وازدهار الأخرى ، أو إلى انصهار البيئتين في بعضهما وإنتاج هجين من البيئتين ، أو إلى تعايش البيئتين معاً في بيئة طبيعية واحدة .
خصائص البيئات السودانية السائدة عند وفود العرب المسلمين
رأينا تقسيم البيئات السودانية بوجه عام وبصورة مبسطة إلى بيئتين رئيسيتين من منظورها الطبيعي أو الجغرافي. وتقسم كل بيئة طبيعية إلى بيئات داخلية حسب الاختلافات في البيئات البشرية والحضارية. البيئتان الطبيعيتان الرئيسيتان هما ؛ البيئة النيلية التي يمثلها النيل بفروعه وأوديته ، وضفافه وجزره وسهوله ، وبكل ماله علاقة مباشرة بالحياة عليه. أما البيئة الأخرى ،هي البيئة الصحراوية بما تمثلها من فيافي وبوادي وأودية. وقد تمثل في البيئتين الطبيعيتين كل أنواع البيئات الأخرى التي تفرزها البيئة الطبيعية من بيئات بشرية وبيئات حضارية. ووفدت عليها بيئات جديدة مضيفة ومعدلة في خصائصها البشرية والحضارية .
أولاً / البيئة النيلية وخصائص النوبة
شهدت البيئة النيلية قيام حضارات متعاقبة في مناطقها الشمالية وعند وفود العرب المسلمين ، كانت هناك بيئة بشرية تمثلت في المجموعات التي عرفت بالنوبيين ، وبيئة حضارية تمثلت في الإرث الحضاري الموروث عن الحضارات الكوشية القديمة ، بجانب ما استجد عليها من الحضارة المسيحية التي أخذت طريقها إلى المنطقة وتجلت في قيام الممالك المسيحية الثلاث ؛ نوباطيا ومقرة وعلوه . وللنظر في طبيعة البيئة البشرية ، نرى ضرورة العودة إلى أصول أولئك الذين أسسوا هذه الممالك وعرفوا بالنوبيين ، وما إذا كانت لهم علاقة سلالية بالعناصر التي سادت في الدولة المروية وقبلها في نبته وكرمه، وهل هم نفس النوبيين الذين ورد ذكرهم في النصوص القديمة ؟ بالعودة إلى نهاية الدولة المروية التي نجد في كثير من مفرداتها علاقة باللغة النوبية الحالية ، نجد ذكراً للنوبيين ضمن العناصر التي أخضعها الملك الاكسومي عيزانا وذلك في المحفورة التي عثر عليها لتمان على صخرة في اكسوم . يقول عيزانا في هذه المحفورة أنه سليل هالين ، وصاحب اكسوم وحمير وريدان وسبأ وسلحين وصيامو والبجا ، ملك الملوك حاكم كاسو، من صارع النوبة ويد الله في يده(60). إن هذه الكلمات التي يمجد بها عيزانا انتصاراته تستدعي الوقوف عندها للنظر في اسم النوبة الذي ورد بشكل مستقل عن اسم كوش (كاسو). ولعل في ذلك ما يعني أن العناصر النوبية التي صارعها عيزانا هي غير العناصر التي تنتمي لكوش التي يدعى أنه حاكمها. في توضيح ذلك ، يقول محمد إبراهيم أبوبكر ، أن منطقة الحضارة المروية في أواخر عهدها لم تعد وقفاً علي الشعب المروي . وإنما ظهر عنصر بشري جديد في المنطقة تمثل في قبائل النوبة التي بدأت تستغل ضعف المملكة المروية وتتجمع في بعض مناطقها بعد أن هجرت مواطنها الأصلية في كردفان . ويقول أن لهؤلاء النوبة الذين ورد ذكرهم في المحفورة فرعان هما : النوبة السود التي استوطنت إلي الجنوب في مناطق النيل الأزرق ، والنوبة الحمر الذين تمركزوا إلي الشمال من نهر عطبرة حتى الشلال الرابع(61). وهو بحديثه هذا ينفي وجود صلة بين المرويين والنوبة ، ويعتبرهم عناصر جديدة وفدت إلى النيل من كردفان قبيل انهيار مروي بقليل . إلا أن المرجح عندنا في هذا الشأن هو أن العناصر النوبية عناصر محلية تكونت منذ العصور الكوشية في المنطقة . تكونت هذه العناصر وتشكلت كنتاج طبيعي لاختلاطات كثير من العناصر السلالية المحلية والوافدة دون أن يعبر هذا الخليط عن انتماء إلى سلالة عرقية معينة. وربما يكون أولئك النوبة السود الذين استوطنوا حول النيل الأزرق في نهاية العهد المروي من الزنوج القادمين من كردفان . ولا يستبعد استنوابهم بحكم وجودهم مع النوبة الحمر. وربما رجعت هذه العناصر إلى كردفان مرة أخرى ، مزودة بكثير من الثقافة النوبية وببعض من لغتها لتحتمي بالجبال إثر اشتداد غارات عيزانا عليهم ، بينما تجمعت فلول النوبة الحمر لتشكل فيما بعد الممالك النوبية الثلاث.
هذه الجماعات التي شكلت الممالك السودانية الثلاث من داخل الحدود المصرية عند الفنتين إلى حدود سنار كانت تشكل أقوى بيئة بشرية على النيل عند قدوم العرب المسلمين . ورغم إطلاق صفة النوبية على هذه الممالك ، إلا أنها في الواقع ما كانت ممالك عشائرية أو قبلية ، لأن العناصر التي شكلتها كانت كما ذكرنا هجيناً من أجناس كثيرة اختلف الباحثون في تحديد هوياتها العرقية . ومنذ دخول التاريخ في فترة غامضة ومجهولة استجدت شكوك في أصول من عرفوا بالنوبيين بين ردهم إلى الأصول الكوشية القديمة والتي بدورها لا تشكل عناصر عرقية صافية ، وردهم إلى عناصر إفريقية جديدة وفدت إلى المنطقة من غرب السودان . بل ظهرت مؤشرات في كتابات الباحثين العرب إلى أن هذه العناصر هي عناصر عربية جاءت إلى المنطقة من أصول حميرية كانت متواجدة في جنوب الجزيرة العربية . يشير إلى ذلك عبدالله بن أحمد الأسواني في كتابه " أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجا والنيل" ويقول أن "سلها" جد النوبة و "مقرى " جد المقـرة من حمير وأنهم جمعياً من ولد حام بن نوح(62). ويصفهم المسعودي في مروج الذهب ويقول بأن "أرضهم كأنها جزء من أرض اليمن، وملوكهم يزعمون أنهم من حمير ويستولون على مقره ونوبة وعلوه ووراء علوه من السودان.. ومن النوبة لقمان الحكيم"(63). ويذهب القزويني وهو يصف بلاد النوبة بأنها أرض واسعة في جنوبي مصر وشرقي النيل وغربيه ، وأهلها أمة عظيمة نصارى يعاقبة ، ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنه من نسل حمير(64).
على كل ، كانت هناك في البيئة النيلية مجموعات بشرية عرفت بالمجموعات النوبية عند دخول العرب المسلمين . وكانت تسود بيئتهم الطبيعية بيئة حضارية مميزة. ونظم سياسية قائمة تمثلت في ممالكهم الثلاث . وفد توحدت المملكتان الشماليان في مملكة واحدة ؛ نوباطيا والتي عرفت كذلك بمملكة المريس والتي كانت عاصمتها في فرس ، والمقرة والتي كان مركزها دنقلا العجوز. وعند دخول العرب كانت المملكة الشمالية الموحدة ، أكثر ارتباطاً بالشمال المتوسطي وبالحضارة الشرقية بوجه عام . بينما بقيت المملكة الثانية علوه تمثل رمز التواصل بالعمق الأفريقي . وكأن المملكة الشمالية كانت امتداداً لدور المملكة النبتية في علاقات التواصل مع المحيط الشمالي . وكأن المملكة الجنوبية كانت تتقمص الدور المرويٌ في تواصل السودان مع العمق الأفريقي . إنها العلاقة القدرية والمحتومة على السودان بحكم موقعه الطبيعي، أن يمثل في كل دورة حضارية جسر التواصل بين الشمال والجنوب ، ويكون رمز الارتباط بين حضارة الشرق والحضارات الأفريقية . إنها الهوية المقدرة على السودانيين أن يرتدوها في كل زمان شاء البعض ذلك أو لم يشأ . لقد استمر الحال في تمثل هذه الأدوار حتى بعد سقوط هذه الممالك ، لتقوم الدويلات العشائرية التي ظهرت مع القبلية الجديدة بعد مجيء العرب المسلمين بالتعبير عن هذه العلاقات التواصلية مع الشمال المتوسطي والعمق الأفريقي كل حسب موقعه . وعلى ذلك كانت هناك بيئة نيلية سودانية مميزة عند دخول العرب المسلمين . إلا أنها لم تكن متماثلة إلى حد التطابق في عنصريها البشري والحضاري وفي بيئاتها الطبيعية . لذلك رأينا تقسيمها إلى بيئات فرعية ثلاث وذلك على الوجه التالي :
1- بيئة حضرية في الشمال ذات طبيعة تجارية وزراعية . تحدد جغرافيا بالمناطق التي قامت عليها مملكتي نوباطيا والمقرة . المرتبطة حضارياً بالشمال والشرق . المنتمية بشرياً حسب اختلاف الآراء ، إلى تلك العناصر الكوشية القديمة التي وفدت عليها واختلطت بها أثناء الحقبة الغامضة بعد انهيار مروي ، عناصر جديدة قد تكون عناصر أفريقية من الغرب السوداني أو عناصر حميرية جاءت من اليمن .
2- بيئة حضارية في الوسط ذات طبيعة رعوية ، قد تمت عناصرها البشرية بصلة عرقية بالعناصر التي تواجدت إلى الشمال ، بدلالة المفردات اللغوية المشتركة- بما فيها معاني عواصمهم ؛ "سوبا" التي على الأرجح تعني في اللغة النوبية " المدينة المشيدة" بجانب العواصم اللاحقة ،"سنار" والتي تعني المدينة القائمة على ضفة النهر ، "وقري" والتي تعني البلدة القاحلة الفقيرة أو حظيرة الماشية (كري) أو "الراكوبة "*- على أن المرجح أن هذه العناصر قد دخلتها مجموعات أفريقية من الجنوب والغرب أكثر من المجموعات التي تسربت إلى الشمال ، فكان ارتباطها أكثر مع العمق الأفريقي.
3-البيئة النيلية الثالثة هي البيئة الأفريقية الصرف التي تواجدت في جنوب السودان . وهي بيئة خارجة عن إطار هذا المبحث لعدم وجود صلة مباشرة بهم بالبيئات التي تأثرت بدخول العرب المسلمين السودان وأثرت فيهم وبما ترتب عن هذا التأثير من انبعاث القبلية الجديدة في السودان الشمالي في ذلك الوقت .
البيئتان النيليتان في الشمال والوسط دخلت عليهما لأول مرة حضارة مقدسية جديدة ، تمثلت في الحضارة المسيحية التي دخلت من البوابة الشمالية في أواخر القرن السادس الميلادي . ولأول مرة في تاريخ السودان يعرف السودانيون علاقة جديدة بينهم وبين المقدس وسلطته غير تلك العلاقات التي سادت لفترات طويلة سابقة . العلاقة الجديدة كانت تعبيرًا عن الارتباط بديانة سماوية راقية تمثل المقدسي فيها مؤسسة الكنيسة ورهبانها وقسسها . وإن كانت سلطة المقدس في الحضارة الكوشية مكوناً أساسياً في علاقات الحكام بالمقدسات وعلاقات الشعب بالحكام من منطلق التزام الجميع بسلطة المقدسات ، فماذا كان دور المقدس المسيحي ورهبانه وقسسه في تجسيد تلك العلاقة ؟ هل التزم الجميع في البيئتين النيليتين ، حكاماً ومحكومين بهذه السلطة الروحية الجديدة كما كان الحال في العهود السابقة ؟ ولعل من أهم ما يجب ملاحظته في هذا الشأن ، وبخصوص سلطة المقدس ، التمييز ما بين المقدس المحلي والمقدس الخارجي . ألم يأت المقدس إلي السودان في العهود القديمة من الخارج ليظهر من خلالها المقدس المحلي القادر على إلزام الكل بسلطانه ؟ فهل تمكن المقدس المسيحي الوافد من الخارج من خلق رموزه المحلية لإلزام الجميع . بمعنى أخر هل ظهر المسيح المحلي الممثل في الكنيسة المحلية والراهب المحلى الذي يلتزم بسلطانه القدسي الحاكم والمحكوم . إنها نفس الجدلية التي بدت مع ظهور المقدس الإسلامي وضرورة خلق الفقيه النوبي كشرط لقبول سلطانه على مستوى الحاكمين والمحكومين .
دخلت المسيحية البيئة النيلية الشمالية مدفوعة من الشمال المهيمن رومانياً ، وبلغة غريبة عليهم وبمؤسسة كنسية وافدة . ظلت هذه العناصر التي تمثل المقدس المسيحي أجنبية في أرض النوبة ولم تكن تعمل لنمو الثقافة المسيحية المستقلة في البلاد(65). وبجانب اغتراب المؤسسة الكنسية فأنها كانت ممزقة من جراء الاختلافات المذهبية بين الكنيستين البيزنطية والمصرية وبين طائفتي اليعاقبة والارثودكس . كما أدى الفساد الذي دب في أوساط القسس والرهبان إلى عدم الثقة فيهم وبالتالي عجزهم عن تغيير حياة الناس نحو الأفضل(66).
ورغم أن ملوك تلك الممالك حاولوا إمساك السلطتين الدنيوية والروحية وأن يصبحوا قساوسة وسياسيين في نفس الوقت(67)، إلا أن مزاولتهم لسلطة المقدس من منطلق نظام ديني قائم علي تعاليم وطقوس مستوردة من الكنيسة القبطية بمصر وباللغة الإغريقية ، لم يؤد إلى بلورة "الديني" والتحامه "بالسياسي" و "الاجتماعي"على الوجه الذي كان سائداً في الحضارات الكوشية. وقد يضاف إلى أسباب ذلك ، بجانب اغتراب "الديني" مؤسسة ولغة ، عامل الزمن الذي لم يتجاوز القرن الواحد حتى داهمت المنطقة ملامح حضارة جديدة كانت أكثر حظاً في الانتشار محلياً وعبر رموز محلية . وربما لو تأخر الزمن قليلاً ، لتم خلق الراهب النوبي الذي كان عليه أن يواصل دوره في نقل حضارة الشمال إلي الجنوب مثلما فعل الكوشيون من نفس الموقع من قبل وبما يماثل دور الفقيه النوبي المسلم من بعد ، حين حمل راية الإسلام إلي الوسط السوداني.*
إذاً يمكن القول بأن الممالك النوبية لم تكن على الهوية المسيحية مثلما كان الحال في دول أوربا في القرون الوسطى . كما وأن "مقدسه "كان عاجزاً عن أن يتقمص "السياسي" ويوجب الإلزام من منطلق نظرية المقدس العادل حين ظل مغترباً عن العامة ومنفصماً كرمز طبقي في مجتمع تعددت طبقاته ما بين أرستقراطية سياسية حاكمة ، ونبلاء إقطاعيين ، وعمارة عسكرية انتظمت على حساب العمارة الدينية وطبقة رجال الدين من القسس والرهبان. فقد كانت مملكة علوه كما يصفها أحد الباحثين ، تتمتع بنظام ذي أيديولوجية إقطاعية عسكرية علمانية ، تقوم على بنية من القوانين والتعهدات والالتزامات(68).
ثانياً / البيئة الصحراوية وخصائص البجا
تعتبر الصحراء الثابت الثاني في حياة أهل السودان بعد النيل . وتشكل مكوناً هاماً من مكونات حركة التاريخ السوداني بكل ما تتضمنها من بيئة بشرية وحضارية . ولعل في تعميم التسمية مطلقاً على هذه البيئة الممتدة شرقي النيل حتى البحر الأحمر ، ومن غربيه إلي حدود السودان غرباً ، ومن حدود السودان الشمالية إلى خطوط الأمطار عند بدايات السافنا الغنية جنوباً ، فيه شيء من المغالاة . فهي ليست صحراء بكلياتها ، بل تتخللها كثير من السهوب والأودية والواحات المنتشرة والبوادي التي ترتادها عناصرها البشرية . كما وأنها ليست وعرة المسالك كما هي الحال في الصحراء الكبرى أو صحراء كلهاري ، وهذا ما يسهل أمر التواصل والاتصال بين عناصرها السكانية . تنقسم هذه البيئات إلى بيئتين رئيسيتين متميزتين؛
الصحراء الشرقية التي تضمن بيئة البجا البشرية . والصحراء الغربية والتي كانت تتضمن بيئة بشرية من القبائل الأفريقية المحلية المختلطة من الزنوج والحاميين الشرقيين عند دخول العرب.* كما وأن هذه البيئة تتميز في أجزائها الجنوبية بهطول أمطار موسمية وتجمعها في برك عديدة وحفائر منتشرة على أجزاء واسعة من أراضيها . فكانت منذ آماد بعيدة مصدراً للفيء ومرتعاً للحلال ومكمناً للكثير من الثروات المعدنية . فلا غرو والحال هكذا أن تجذب هذه البيئة ، وعلى عكس الحال عن معظم البيئات الصحراوية ، عناصر بشرية وتستقر فيها قبائل وبدنات . وتعمر فيها الفرقان والقرى وعرائس المدن وتزدهر فيها ممالك وسلطنات . فجمعت بين بداوة الرحل الجوالة واستقرار الحضر من أهل الزراعة والتجارة وأرباب الحرف والصناعة .
بيئة الصحراء الشرقية تنقسم بدورها إلى بيئتين فرعيتين حسب البيئة الطبيعية . وقد كان لكل بيئة فرعية من هذه لبيئات دور خاص في اجتذاب الوافدين من العرب المسلمين . الأجزاء الشمالية التي تتميز بطبيعة جافة تندر فيها المصادر المائية ، تشكل بيئة فرعية خاصة ضمن بيئة الصحراء الشرقية . والأجزاء الجنوبية المميزة بوجود العديد من الأنهار الموسمية نتيجة لهطول الأمطار الموسمية ، تشكل بيئة فرعية أخرى لها خصائص تختلف عن خصائص البيئة الفرعية الشمالية . والصحراء حسب هذا التقسيم الفرعي يماثل الصحراء الغربية إلى حد كبير. البيئة الصحراوية الشرقية الشمالية تمتد ما بين النيل والبحر الأحمر من شمالي نهر عطبرة إلى حدود البلاد الشمالية . تتميز هذه البيئة في طبيعتها الجغرافية بوجود كثبان رملية تتخللها سهوب منبسطة وفجوات طينية تتسع في بعض المناطق وتضيق في مناطق أخرى . وما بين الكثبان والسهوب تمتد سلاسل جبلية حتى تكاد تلتحم بالنيل وتبرز قممها حتى داخل الجزر في المناطق الشمالية من الأراضي التي تعرف بأرض الحجر. إلى الشمال من أبي حمد تمتد مفازات العتمور القاحلة التي تكاد تنعدم فيها الحياة إلا من بعض جوالي الصحراء الذين يتنقلون عبرها بتجارتهم بين بربر وكورسكو . ورغم هذه الطبيعة القاحلة ، فقد سادت فيها بيئة بشرية مميزة ما زالت تلعب دوراً مميزاً في مكونات الهوية السودانية .



(56)Oxford Advanced Learners’ Dictionary, (5th ed.) Oxford Un. Press, 1997.

(57)Feldman, R.S., Op.Cit.p.10.

(58) نيللر ، ج. ف. ، أنثربولوجيا التربية ، ترجمة: محمد منير موسى وآخرون ، القاهرة ، عالم الكتب ، ب.ت ، ص 31.

(59) الاقتباس من محمد أحمد المحجوب ،ذكرها ضمن مدافعته عن الهوية السودانية ، مجلة الفجر ، (المجلد الأول) ، عدد (18) ، أبريل 1935 , ص868 .

(60) أوردها جمال محمد أحمد ، في مقدمة تعريب كتاب بازل ديفستون ، أفريقيا تحت أضواء جديدة ، بيروت ، دار الثقافة ، 1961 .

(61) محمد إبراهيم ابوبكر ، مرجع سابق ، ص ص 213 ،214 .

(62) نقلاً عن : نعوم شقير ، مرجع سابق ، ص 22 .

(63) المسعودي ، مروج الذهب ، ومعادن الجوهر ، مرجع سابق ، ص ص 33 36 .

(64) القزويني ، آثار البلاد في أخبار العباد ،بيروت، دار صادر ، 1979 ، ص ص 24 ، 25 .

* اجتهادات من الباحث حسب معرفته باللغات النوبية الحالية

(65) محمد عمر بشير ، التطور التعليمي في السودان ، مرجع سابق ، ص 23 .

(66) المرجع السابق نفسه .

(67) محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان ، مرجع سابق ، ص 9 .

* من الفقهاء النوبيين الذين حملوا راية الإسلام في الوسط السوداني ، الشيخ خوجلي والشيخ حمد والشيخ إدريس ود الأرباب وغيرهم ممن يرد ذكرهم في طبقات ود ضيف الله .

(68) جعفر طه حمزة ، مرجع سابق ، ص 46 .

* لابد من الأخذ في الاعتبار أن العناصر المحلية التي تواجدت عند وفود العرب المسلمين نتاج مزيج من عناصر أفريقية محلية ووافدة بالإضافة إلى عناصر غير أفريقية شكلت في النهاية هذه العناصر المحلية التي تنتفي عنها صفة العرقية الصافية بمعناها السلالي ..

(69) محمد إبراهيم أبوبكر ، مرجع سابق ، ص 68 .

(70) بولم ، دنيز ، مرجع سابق ، ص 47.

(71) بهجة المعرفة ، مسيرة الحضارة ، (المجموعة الثالثة) ، ( المجلد الأول ) ، ترجمة ماجد فخري ، طرابلس ، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ، ص 63 .

(72) المرجع السابق ، ص ص 65،88 .

(73) Trimingham, S., Islam in the Sudan, London, Oxford University Press, 1949, p 31
. * من المرجح أن تكون قبائل الميدوب إحدي فصائل المجموعات النوبية التي هاجرت إلى غرب السودان في وقت قريب وذلك بدلالة المفردات اللغوية الحديثة المشتركة مع اللغات السائدة لدى النوبة الحاليين في شمال السودان. وقد تكون من ضمن القبائل التي جاءت إلي المناطق النيلية ضمن المجموعات الزنجية الأخرى في أواخر العهد المروي ثم عادت إلى الغرب إثر غارات عيزانا على تلك المجموعات . يؤكد على الأصول النوبية لهذه الجماعات والجماعات النوباوية اللواء إبراهيم ايدام في حديث لتلفزيون السودان بتاريخ 6/11/ 2000.

(74) محمد أبو القاسم حاج حمد ، مرجع سابق ، ص48.

(75) دنيز بولم ، مرجع سابق ، ص ص 50 ،51 .


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:11 AM   #13
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



....تابع الحلقة التاسعة
عند دخول العرب المسلمين ، كانت هذه البيئة تشكل بيئة حضرية ذات هوية مميزة بجانب البيئات الحضارية الأخرى . تمثلت البيئة البشرية هنا في العناصر البجاوية التي أكدنا على علاقاتها بجزيرة العرب في عصور سابقة لظهور الإسلام . عاشت هذه المجموعات البجاوية في هذه البيئة ومنذ أقدم العصور كواحدة من أقدم العناصر البشرية الأفريقية غير السوداء مشكلة بيئة بشرية هامة بجانب البيئة البشرية التي عرفت بالنوبيين . ومثلما اختلف الباحثون في أصول النوبيين ، اختلفوا كذلك في تحديد الهوية السلالية للأصول البجاوية وما إذا كانوا ينتمون لنفس العناصر التي سادت في البيئة النيلية أو هي مجموعات مختلفة تماماً عن تلك المجموعات ولا علاقة لها بها . من هؤلاء الباحثين من يذهب إلى أنهم كانوا من ضمن الأجناس التي وفدت إلى أفريقيا بعد الطوفان العظيم وانتشار أبناء حام في الأرض وتوجههم إلى أفريقيا ضمن البلاد التي توجهوا إليها . وفيما يؤكد آخرون على أنهم حميريون وفدوا من جنوب الجزيرة العربية ، يذهب بعض المؤرخين العرب من أمثال القزويني والمسعودي إلى أن أصلهم من الحبشة . وهنا تجدر الإشارة إلى وجود آراء تؤكد على أن الحبش أنفسهم ينحدرون من أصول عربية . وقد عرف البجاويون في الكتابات القديمة باسـم " بيدجا"، كما عرفوا عند الكتاب الرومانيين "بالبلامس" أو البلميون " Blemmyes” . ولا نعتقد أن هذه المجموعات كانت معزولة في بيئتها الصحراوية دون أن تختلط بالعناصر النيلية منذ اقدم العصور . ألسنا نجد ذكرًا لهم في الحضارات الفرعونية كعناصر ساهمت في تحرير مصر من الهكسوس ليحفظ التاريخ فضل الفرق المجاوية ( نعتقد أنها البجاوية ببعض التحريف) المتقدمة مع جيوش كاموس لطرد الآسيويين الغزاة(69). ألم تكن بادية كوش التي كانت موطناً للمعادن ، عمارًا سكنياً وقرى تمتد ما بين النهر والبحر. أليس الرأي القائل بتفرعات للنيل عبر الصحراء الشرقية احتمالاً قائمًا على الصواب . ألا نجد علاقة ما بين لفظي "بيدجا" البجاوية و"فديجا" النوبية . ألا نجد في كل ذلك ما يوحي بوجود علاقة وطيدة بينهم وبين النيليين الشماليين .
عند قدوم العرب المسلمين ، كانت البيئة البجاوية تتميز بسيادة حضارية خاصة تمثلت في مؤسسات روحية لها سلطة الإلزام . فقد كانت تسود في أوساط البجا معتقدات روحية متجذرة . وهم مثلهم مثل الأجناس التي استوطنت أفريقيا كانوا يمتثلون بخلوص فطري لمعتقداتهم الوثنية لدرجة أنهم لم يتشربوا المعتقدات السامية إلا بعد طول أناة وروية كما كان الأمر مع النوبة . فوقفوا في وجه التيار الإسلامي باعتباره غازياً لروحانياتهم . ولما وجدوا في معتقداتهم وبإيعاز من كاهنهم بأن معبودهم أوعز إليهم بالطاعة لربيعة العربية ، ارتضوا بها لتتسرب إليهم تعاليم الدين الجديد وهم الذين لم تجد الديانة النصرانية سبيلاً إلى قلوبهم رغم أنها عمت بلاد الحبشة واعتنقها جيرانهم الاكسوميون . وأنهم من نفس المنطلق ، عندما تسرب الإسلام إليهم انتحلوه عن ضعف . وبسبب من أن أشراف العرب وفقهاءها الحضريين لم يساكنوهم كما فعلوا مع النوبة أو البربر في شمال أفريقيا . بل كانت أرضهم بادية استقبلت البداوة العربية ولفظت الحضر الحجازيين من المضريين بعد وقت قصير من مجيئهم . فإن كان النوبة والبربر قد حسن إسلامهم بعد خلق الفقيه النوبي والفقيه البربري فحمل النوبي الفقيه راية الإسلام إلى أعماق السودان ، وحمل الفقيه البربري راية الإسلام إلى مجاهل أفريقيا الغربية وآفاق الأندلس ، فإن البداوة العربية التي حلت بأرض البجا ، كانت عاجزة عن خلق الفقيه البجاوي القادر على حمل راية الإسلام إلى الهضاب الحبشية .
ثالثاً / بيئة الصحراء الغربية وخصائص قبائلها
لابد من الإشارة مرة أخرى عند الحديث عن بيئة الصحراء الغربية إلى أن التسمية هكذا هي أقرب إلى المجاز منها إلى التعبير الحقيقي بصفة شاملة عن طبيعة هذه البيئة . أن البيئة التي نعنيها هنا هي المناطق الممتدة من خطوط الأمطار عند جبال النوبة في الجنوب والمتصلة شمالاً بالصحراء الكبرى مع الحدود الشمالية للسودان . ومن حدود دارفور الغربية إلى حدود الأراضي القاحلة غربي النيل علي طول ولايتي دارفور وكردفان . وهي بهذا التحديد تضم كل ولايات دارفور وكردفان بالإضافة إلى الأجزاء الغربية الممتدة مع الصحراء والمتاخمة لهاتين الولايتين من الولايات الشمالية والوسطي . تتميز هذه البيئة في أجزائها الجنوبية بوجود العديد من الأودية والبرك المائية وبهطول أمطار موسمية كافية لزراعة بعض المحاصيل وتربية أنواع من الحيوانات كالإبل والماشية والضان . أما المناطق الشمالية منها ، فتبدو أكثر جفافاً ووعورة . فهي في معظمها كثبان رملية تتخللها جبال وتلال متفرقة . ولا تبدو أثر المياه إلا في قليل من الأمطار الموسمية وفي بعض من الواحات والآبار الجوفية التي يرتادها الرحل للاستسقاء ، وإلا من قليل من الأودية الهابطة في اتجاه النيل كوادي الملك والمقدم والقعب . في جنوبها الغربي تتميز منطقة جبل مرة بطبيعة خاصة تتوفر فيها المياه وبموقع مناخي مميز يمنح القبول باستيطان أنواع من الفواكه النادرة التي لا توجد في بقية البيئات السودانية .
شهدت بيئة الصحراء الغربية ومنذ أقدم العصور استيطان عناصر من السلالات الأفريقية الزنجية والتي ظهرت في العصور المعروفة بالميتولكس في الفترة ما بين 8500 إلى 5000 ق.م . وهو عصر التجمع على ضفاف الأنهار في شمالي خط الاستواء في المناطق المعروفة بكينيا ويوغنده ومنها انتشرت عبر الصحراء إلى شمال وغرب أفريقيا(70). ولا شك في أن السودان قد تأثر بهذه السلالات الزنجية واستيطانها فيه منذ العصور الحجرية كما أشرنا إلى ذلك . ولعله من الأهمية بمكان أن نشير هنا ببعض الإيجاز إلي أصل السلالات الأفريقية الزنجية التي انصهرت مع كثير من الأعراق السودانية على مستوى كل البيئات وعلى امتداد تاريخه مشكلاً بذلك واحداً من أهم عناصر الهوية السودانية . ظهرت العناصر الزنجية في أفريقيا منذ سبعة أو ثمانية آلاف سنة ضمن ثلاث جماعات عرقية وطدت أقدامها في القارة . هذه الجماعات العرقية هي : البوشمن الأولون الذين استوطنوا في الأجزاء الجنوبية والشرقية من القارة . الأقزام الأوائل الذين تواجدوا في الأقاليم الغابية في حوض الكنغو وساحل غانا . والحاميون القوقازيون في الشمال والشمال الشرقي والذين يعتبرون في رأي بعض الباحثين دخلاء على القارة . أما العناصر الزنجية التي تواجدت في أفريقيا ضمن هذه الجماعات ، فقد استوطنت في المناطق الاستوائية ثم توغلوا منها إلى الشمال والغرب نتيجة لتطورات استدعت تحرك العناصر السلالية داخل أفريقيا(71). قبيل القرون الأولى الميلادية ، عرفت أفريقيا تطورين هامين أثرا في حركة الانتقالات السلالية وتداخلاتها ؛ أولهما ظهور طرائق جديدة للزراعة وإنتاج الغذاء والذي أدى بدوره بجماعات البانتو والتي هي خليط من العناصر الزنجية والحامية التي تكونت في مناطق البحيرات الكبرى ، إلى أن تنتشر من مواطنها إلى أجزاء كثيرة من القارة حاملة معها طرائق الزراعة وإنتاج الغذاء . وأما التطور الثاني ، فقد كان دخول أفريقيا عصر المعادن . وحيث بدأ هذا التطور بصهر الحديد من مملكة مروي(72)، فقد كان للسودان نصيب وافر في استقبال مختلف السلالات الأفريقية وقوافلها التجارية . فوفدت من مناطق البحيرات السلالات الزنجية لتستقر في المناطق الجنوبية من البيئة النيلية ومناطق البيئة الصحراوية الغربية في أجزاء من كردفان ودارفور وذلك بحكم الموقع الجغرافي لهذه المناطق وقربها من مواطن هذه السلالات الزنجية. وقد تعرضت البيئة البشرية للصحراء الغربية لتأثيرات حامية جاءت من الشمال والشرق لتشكل مع العناصر الزنجية خليطاً من القبائل التي تواجدت عند قدوم العرب المسلمين إلى السودان . تعدد بعض المصادر تلك القبائل في مجموعات من التيبو والزنوج الشماليين من قبائل الزغاوة وقبائل الفور والمساليت والدوباب والميدوب(73). وبالإضافة إلى هذه القبائل هناك مجموعات من العناصر المحلية التي تدخل ضمن البيئة البشرية للصحراء الغربية كقبائل البرقو والبيقو والبرتي . أما العناصر الفوراوية التي يعتبرها البعض من القبائل الزنجية المجهولة الأصل ، هي واحدة من أهم المجموعات التي لعبت دوراً هاما في تاريخ السلطة والسياسة في هذه البيئة بعد دخول الإسلام . تفرعت عن هذه المجموعة ، الكنجارة والتموركة والكراكيت والكيرا . وقد شكلت هذه المجموعات الفوراوية سلطنة دارفور القوية بعد أن انتزعوا السلطة من الداجو والتنجر لتستمر سلطنتهم حتى عام 1916 كواحدة من أهم الممالك السودانية في بيئة الصحراء الغربية(74).
في هذه البيئة الصحراوية ، تميزت المناطق الشمالية بطبيعة جافة وببيئة بشرية مختلطة من العناصر الزنجية والحامية . وتعرضت لتأثيرات حضارية شرقية بحكم اتصالها بالحضارات النيلية المصرية والكوشية وبحضارات الشمال الأفريقي . ولم يقتصر التأثير الحضاري عليها على الحضارات الشرقية فحسب ، ولكنها تعرضت أيضًا للحضارات الأفريقية بحكم موقعها من الغرب الأفريقي(75). لذا فقد رأينا اعتبار هذه المناطق من ضمن البيئات السودانية التي تميزت بوجود ثقل حضاري عند دخول العرب المسلمين السودان . أما المناطق الجنوبية التي تقطنها المجموعات النوباوية ، والتي كانت أكثر تأثراً بالسلالات الزنجية من المناطق الشمالية ، فقد رأينا اعتبارها من البيئات السودانية التي تتميز بثقل اقتصادي بحكم طبيعتها البيئية الغنية بمصادر المياه والأراضي الصالحة للرعي والزراعة .
التأثير البيئي على نمط العلاقات بين العرب الوافين والمحليين وتطور القبلية الجديدة


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:25 AM   #14
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة العاشرة
أولا/ مفهوم التأثير البيئي بين المحليين والوافدين
عندما تتداخل البيئات البشرية والحضارية في بعضها البعض ، يحدث نمط من العلاقات ما بين الجماعات البشرية التي تشكل البيئة الجديدة .حدد كل من ريتشارد شيفر وروبرت لام نوعية العلاقات الناجمة عن هذه التداخلات البيئية في أربعة أنماط هي :
1- التمازج: ويعبرعن الانصهار الكامل بين المجموعات المختلفة المتداخلة في البيئة الحضارية الجديدة (Full amalgamation). يحدث هذا الانصهار الكلي من خلال عمليات التزاوج ( Intermarriage )التي تستغرق عدة أجيال(76). وتكون حصيلة الانصهار على الوجه التالي :
المجموعة الوافدة + المجموعة المحلية = مجموعة جديدة ( تختلف في أعراقها وثقافاتها عن كل من المجموعة الوافدة والمجموعة المحلية ) .
2- التمثيل ( Assimilation): وهو العملية التي تهجربها إحدى المجموعتين تقاليدها الحضارية مع الاحتفاظ بسماتها العرقية لتندمج مع التقاليد الحضارية للجماعة الأخرى .وتكون النتيجة النهائية لهذه العملية على الوجه التالي :
المجموعة العرقية الوافدة + المجموعة العرقية المحلية = المجموعة العرقية الوافدة + المجموعة العرقية المحلية .
ثقافة المجموعة العرقية الوافدة = ثقافة المجموعة العرقية المحلية أو العكس حسب الثقافة التي تهيمن على البيئة الجديدة .
3- التعصب والتمييز (Segregation and prejudice): ويعبر عن شعور إحدى الجماعتين بالتفوق والسمو علي الجماعة الأخرى سواء كان هذا الشعور على مستوى العرق أو الثقافة . مثل هذا الشعور غالباً ما يؤدي إلي النزاعات داخل المجتمع وعدم التكامل القومي وإلى نوع من التفرقة العنصرية والثقافية .
4- التعددية (Pluralism) : في المجتمع التعددي تحتفظ المجموعات العرقية والثقافية بتقاليدها وبطريقة حياتها وبتركيباتها العرقية ، دون أن تتنازل عن خصوصياتها ودون أن توجه هذه الخصوصيات للطغيان على الجماعات الأخرى . ومازالت التعددية ، رغم صيغتها المثلى في تعايش التنوعات التعددية ، تتخذ في معظم المجتمعات بما فيها المجتمع السوداني طابعاً نظرياً وتخيلياً لم يتبلور بعد إلى أرض الواقع . سويسرا تجسد في رأي معظم المحللين دولة واقعية لتعايش التعدديات في حالة من عدم وجود لغة وطنية واحدة وديانة رسمية واحدة للدولة(77). إن واقعية التعددية تكمن في التسامح والتعايش بين الأعراق والثقافات المتنوعة بالإضافة إلى الأساليب السياسية المتعددة التي تكرس مثل هذا التعايش ، من المشاركة السياسية الواسعة ، وانتهاج قاعدة الديمقراطية في حكم هذه المجتمعات .
بالرجوع إلى ملخص لقراءات هذا الفصل ، سنجد أن البيئات العربية الإسلامية التي جاءت إلى السودان كانت كالأتي :
(1) بيئة حضرية ذات توجهات دينية .
(2) بيئة بدوية ذات توجهات اقتصادية .
أما البيئات المحلية السائدة في السودان في ذلك الوقت فقد كانت كما يلي :
(3) بيئة نيلية ذات ثقل حضاري ،(البيئة النوبية قي شمال السودان ) .
(4) بيئة نيلية ذات ثقل اقتصادي (في الوسط السوداني في حدود مملكة علوه ) .
(5) بيئة صحراوية ذات ثقل حضاري ، ( بيئة البجا في شمال الصحراء الشرقية وبيئة القبائل الأفريقية في شمال الصحراء الغربية ) .
(6) بيئة صحراوية ذات ثقل اقتصادي ،(الأجزاء الجنوبية من الصحراء الشرقية والغربية).
وفود البيئة (1) إلى البيئة (3) أدى إلى تناغم البيئتين ووجود نوع من اندماج البيئة الوافدة في البيئة المحلية:
البيئة العربية الوافدة ذات التوجهات الروحية تم استقطابها في البيئة النيلية ذات الثقل الحضاري ، يبدو ذلك في وفود القبائل العربية المتدينة كالجابرية من سلالة جابر الأنصاري والركابية ومنهم زين العابدين الركابي ، وغيرهما من البيوتات الحجازية الكثيرة التي استقبلتها هذه البيئة ونجد آثارها في تكايا ومزارات وقباب الأولياء والمتصوفة على طول مناطقها من "عكاشة" شمالاً مروراً "بدبة الفقرا" إلى مجاذيب "الدامر". ولقد أكدنا على دور المقدس مراراً في تحديد السلوك البشري داخل المجتمعات القبلية . وذهبنا إلى تأصيل المعتقدات الروحية وتجذرها في هذا البيئة وتفعليها في المقدس المحلي . وأكدنا على فشل المقدس المسيحي بسبب اغترابه عن البيئة المحلية وعدم تمكنه من خلق القسيس النوبي . المقدس الإسلامي تجاوز هذه الإشكالية بالبحث عن القبول المحلي الذي وجده في ارتداء الثوب النوبي والانخراط في طقوسه المحلية والمصاهرة مع العائلات النوبية . إن ممارسة الفقهاء العرب ، حملة المقدس الإسلامي للاستراتيجيات السالكة إلى القبول المحلي ، أفضت إلى الاستنواب العرقي لهؤلاء الفقهاء والاستعراب الديني للنوبة . ومن صلب الاستنواب والاستعراب ظهر الفقيه النوبي المعبر عن محلية المقدس الإسلامي . ومن هذا المنطلق يمكن القول عن غلبة التوجهات الروحية الوافدة على التوجهات الروحية المحلية والتي تبدو جلياً في أسلمة النوبة ، وحملهم لراية الإسلام على إيقاع الطبول المحلية إلى آفاق أرحب . وغلبة التوجهات العرقية المحلية على التوجهات العرقية الوافدة كما تبدو في الاستنواب العرقي لفقهاء العرب .
وفود البيئة (2) إلى البيئة (3) أدى إلى تنافر البيئتين وعدم الاندماج على مستوى العرق :
لم يكن لأولئك العرب البدو الوافدين إلى السودان ولأهداف اقتصادية نية في الاستقرار في البيئات التي لا تتمتع بثقل اقتصادي يتمثل في وفرة الماء والكلأ. لذا فإن عموم البيئات الشمالية التي تفتقر إلى هذه المقومات لم تكن هدفاً لهم . كما وأن البيئات الشمالية ذات الثقل الحضاري كانت منصرفة عن استقبال البداوة العربية . لذا حدث نوع من التنافر والتمايز بين البداوة العربية والحضارة النوبية على مستوى العرق . فظل العرب البدو على نقيض الحضريين منهم ، ملفوظين إلى يومنا هذا في هذه البيئة ويعيشون كأقلية على تخوم القرى النوبية والشايقية كما هي الحال مع بدو الكبابيش والهواوير والبديرية .
وفود البيئة (1) إلى البيئة (4) أدى إلى اندماج البيئة المحلية في البيئة الوافدة على مستوى العرق والثقافة :
البيئة العربية الوافدة هنا بيئة حضرية ذات توجهات دينية . أما البيئة المحلية المستقبلة هي بيئة بدوية تتميز بثقلها الاقتصادي ( مراعي علوه الخصيبة ) وبقبولها باستقبال البداوة العربية التي تفتقر إلى العقلية الدينية على أصولها الصحيحة . ومع استعراب هذه البيئة نتيجة للكثرة العددية للعرب البدو الوافدين ، وتمكن العرب من إنشاء سلطة سياسية تحافظ على كيانهم ، تسللت البيئات العربية الحضرية ذات التوجهات الروحية إلي مراكز الثقل السلطوي والتي من خلالها تمكنت من نشر هويتها الدينية لتتراجع الهويات الدينية المحلية السائدة أمام الهوية الإسلامية ويتم استعراب النوبة على مستوى الثقافة الروحية (في توتي والعليفون وكترانج وأم ضواً بان وغيرها ) .
وفود البيئة (2) إلي البيئة (4) أدى إلى اندماج البيئة المحلية في البيئة الوافدة على مستوى العرق والثقافة :
البيئة العربية الوافدة ذات التوجهات الاقتصادية وجدت أهدافها في البيئة المحلية ذات الثقل الاقتصادي . وبكثرتها العددية تغلبت على التوجهات المحلية وفرضت هويتها البدوية على القبائل المحلية التي تواجدت بهذه البيئة .( الاستعراب الكامل بمنطقة الجزيرة وغربيٌ البطانة)
وفود البيئة (1) إلى البيئة (5) أدى إلى التنافر بين البيئتين على مستوى العرق والثقافة :
لم تكن البيئة الصحراوية ذات الثقل الحضاري مهيأة لاستقبال البيئة العربية الوافدة ذات التوجهات الدينية . فلم تصل إلى هذا البيئات سواء في الصحراء الشرقية أوالغربية الفقهاء الدينيون من حضر الجزيرة العربية كما هي الحال قي البيئة النيلية ، ولم يتم خلق الفقيه البجاوي أوالفقيه الفوراوي على غرار الفقيه النوبي في البيئة النيلية . ظلت هذه البيئات على خصائصها المحلية أقل اندماجاً في البيئات الوافدة سواء على مستوى العرق أوالثقافة .
وفود البيئة (2) إلى البيئة (6) أدى إلى اندماج البيئات المحلية في البيئات الوافدة على مستوى العرق والثقافة :
البيئات العربية ذات التوجهات الاقتصادية وجدت ضالتها في الأجزاء الجنوبية من البيئات الصحراوية ذات الثقل الاقتصادي . ومن خلال كثرتها العددية أيضاً تمكنت البيئة البدوية الوافدة من التغلب على البيئات المحلية ، فظهرت التوجهات العروبية في جنوب الصحراء الشرقية في قبائل البني عامر والحلنقه والحمران والكواهله الذين نزحوا قليلاً الجنوب . كما ظهرت هذه التوجهات العروبية في قبائل البقارة من الرزيقات والهبانية والتعايشة وبني هلبة والمسيرية والحمر وغيرها .
أما فيما يختص بوفود البيئة (2) إلى البيئة (5)والبيئة(1) إلى البيئة (6)، فيبدو أثر التنافر واضحاً في الحالة الأولى على مستوى العرق بين العرب الجوالة في الصحراء والقبائل المحلية . وفي الحالة الثانية يبدو أثر التنافر على مستوى الحضارة في التأثير الحضاري الإسلامي الضعيف على القبائل النوباوية عند الطرف الجنوبي من بيئة الصحراء الغربية وعلى قبائل الأنقسنا عند الطرف الجنوبي من الصحراء الشرقية .
وبصورة عامة نستطيع أن نتبين خريطة البيئات السودانية بعد دخول العرب المسلمين إلى السودان على الوجه التالي :
1- الأجزاء الشمالية من السودان ، والتي شهدت قيام حضارات قديمة ، تميزت بغلبة التوجهات المحلية على التوجهات العروبية الوافدة .(قبائل دارفور الأفريقية ، النوبة ، البجا) . 2- الوسط السوداني الممتد شرقاً من أرض البطانة مروراً بأرض الجزيرة إلى المناطق الرعوية في سهول كردفان ودارفور ، تميزت بغلبة التوجهات العروبية على التوجهات المحلية .
3 – عند الأطراف الجنوبية من الوسط السوداني ، تضعف التأثيرات العروبية لدى قبائل الانقسا والقبائل النوباوية .
4- الجنوب السوداني والمعروف جغرافياً بالإقليم الجنوبي ، مازال يحتفظ إلى حد كبير بالتوجهات الأفريقية . ويقل فيه التأثير العروبي على مستوى العرق والثقافة.
مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال ، لم تظل هذه الخريطة على ما هي عليه، ولن تظل على ما هي عليه مع استمرار عمليات الانصهار العرقي والتكامل القومي والتعايش الثقافي. وأصبحت البيئات التي تغلبت فيها التوجهات المحلية على التوجهات العروبية الوافدة لا تخلو من التأثيرات العروبية . كما وأن البيئات التي تغلبت فيها التوجهات العروبية على التوجهات المحلية لا تخلو من تأثيرات محلية . وبصورة عامة ، لم تعد خصائص النوبة هي نفس خصائصها عند دخول العرب المسلمين . ولا ظلت الأعراق البجاوية على ما كانت عليه. ولا بقيت ثقافة الفور والمساليت والزغاوة بعيدة عن التأثير العروبي وثقافة الإسلام . بل بدأت التأثيرات العروبية والإسلامية تأخذ طريقها إلى النوباويين وقبائل الأنقسنا وإلى القبائل الجنوبية .

(76) Schaefer, R.T. & Lam, R.P., Op.Cit. p. 182.

(77)Ibid. p. 184.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:29 AM   #15
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة (11)
تطورات القبلية الجديدة في السودان
بعد هذا الاستعراض التاريخي لتطور الهوية السودانية ، ينبغي في نهاية هذا الفصل توضيح ما نعنيه بالقبلية الجديدة . لا شك في أن دخول العرب المسلمين إلى السودان قد احدث تغييراً كبيراً في بنية الأجناس المحلية وثقافاتها . ولاشك في أن العرب الذين وفدوا بخلفياتهم القبلية المختلفة ، جاءوا إلي السودان بثقافة القبيلة وقيمها دون أن يتمكنوا فيما بينهم من تشكيل قومية متجانسة مقابل القوميات المحلية لأسباب ناقشناها في هذا الفصل . ولا شك في أن البيئات العربية الوافدة قد تأثرت بالبيئات المحلية وأثرت فيها ، وتشكلت من خلال عمليات التأثير والتأثر بيئات جديدة تختلف في درجات التمازج من بيئة إلى أخرى . بيئات جديدة يصعب الحديث فيها عن نقاء عرقي أو سيادة ثقافية . بيئات تتوقف عندها القبيلة بمعناها التقليدي المؤسس على وحدة العرق والثقافة من أن تؤدي دورها بصورتها المثالية عندما كانت كياناً قائماً علي احاديتها في مجتمعات اللادولة . ولكن العرب القادمين من بيئة مشبعة بثقافة القبيلة استحدثوا في السودان نوعاً جديداً من القبلية القائمة لا على وحدة العرق والثقافة والتي لم تعد ممكنًا في ظل التأثيرات الجديدة ، ولكن على وحدة المصلحة المشتركة في نطاق إقليمي معين. فظهرت النطاقات الإقليمية المتعددة التي تتخذ صورة القبلية الجديدة وتطورت تحمل اسماً معينًا تنتسب إليه أفرادها . ومع التطور التاريخي نحو مجتمع الدولة ، وتطور أنماط ملكية الأرض وحيازة المراعي وما نجم عنها من صراعات بين الجماعات المختلفة والأفراد، أصبح أولئك الأفراد والجماعات في حاجة إلى المدافعة وحماية الملكية الفردية والجماعية من الاعتداءات الخارجية. عندها برزت في الوجود السوداني سلطة القبيلة السياسية للحفاظ على التضامن الداخلي وكضرورة خارجية لصد العدوان الذي يستهدف ممتلكات القبيلة . وبالفعل بدأ أفراد هذه الكيانات التي ما كانت لها مقومات القبيلة من وجهة النظر الأنثربولوجي المحددة في وحدة النسب والعرق واللغة والثقافة ، يشكلون نوعاً من التضامن والانسجام والخلوص على غرار التضامن والانسجام والخلوص لمؤسسة القبيلة القائمة على وحدة العرق والثقافة . ولم يعد مثل هذه السمات القبلية موجهات حقيقية لحركة القبلية المستحدثة في السودان . وإلا ماذا يعني أن أصبح الجهينيون في أرض الجزيرة والبطانة أكثر تضامناً وانسجاماً مع العناصر المتواجدة في نطاقهم المحلي في أرض الجزيرة ، بينما ظل بنو عمومتهم من الجهينيين *في كردفان أكثر تضامناً وانسجاماً مع العناصر المحلية الكردفانية الأخرى التي تشاركها المنطقة أو الإقليم . وأن يظل كبابيش الشمال أقرب إلى الانتساب إلي النوبة من الانتساب إلى عناصرهم في غرب السودان . بل إن العناصر الأفريقية الصرف التي استقرت مع الجعليين أصبحت أكثر انتماءاً وتجانساً وخلوصاً للعناصر التي استقرت معها وللمنطقة التي استقرت فيها . هذا التشكل الإقليمي الجديد المعبر عن العلاقات السوسيومكانية للأفراد المندمجين مع بعضهم في إطار التموضع هو أساس ما نعنيه بالقبلية الجديدة في السودان . لقد أصبح هؤلاء الأفراد يطورون رموزهم وطقوسهم وأوشامهم الخاصة التي تميزهم عن غيرهم من الأفراد . وانطلت علي هذه الكيانات التي لا تخرج في مكوناتها البشرية عن مزيج من العناصر العربية والمحلية ، أفكار عنصرية وتوجهات استعلائية في وقت لا يختلف الأفراد في كل هذه الكيانات في أشكالهم ولا في سحناتهم . وإن كانت هناك ثمة فروقات لونية ، فلم يخلو حتى البيت الواحد أو الأسرة الواحدة من مثل هذه الفروقات . ومع ذلك تطورت العصبية والنعرة في أوساط هذه التجميعات الجديدة التي عرفت بالقبلية السودانية وتطورت معها سلطتها السياسية المجسدة في زعمائها الذين برزوا من خلال قدرتهم على حيازة الأراضي وتملكها وقدرتهم على تحويل هذه الكيانات إلى مؤسسات سياسية قائمة بذاتها . إنها القبلية الجديدة التي تقولبت (Stereotyped )إلى حقيقة في واقع السودان وتكويناته الاجتماعية والسياسية . ولعل مما ساعد على هذه القولبة أن كتابة تاريخ السودان في القرون الوسطى كانت تركز كثيراً على تاريخ القبائل ، وكأنها دراسة لمجموعة من القبائل ، تمثل كل قبيلة فيه شعباً قائماً بذاته. وهي ذات القولبة التي حاول الحكم الثنائي في السودان تكريسها كأمر واقع وكحقيقة مسلمة ، وذلك للحيلولة دون التضامن القومي .
ظلت هذه القبائل في أوج قوتها تشكل كياناتها السياسية ما بين الاستقلال والتحالفات السياسية في المرحلة السابقة لتوحيد السودان عام 1821 م إثر الغزو التركي وإخضاعه لتلك القبائل تحت مركزية موحدة . وبدا في مواجهات هذه القبائل للغزو الخارجي أول اختبار للتوجهات القومية لتلك القبائل . فقد كانت هذه القبائل ، رغم وجود نوع من العلاقات التواصلية بينها ، بعيدة عن فكرة التكامل القومي على صعيد وطن واحد . ولم يكن الإحساس بالانتماء الوجداني لكل الأرض والشعور بالوطنية السودانية قد تبلور بصورة واضحة عند دخول إسماعيل باشا السودان . وظهرت تباشير هذا الإحساس في المقاومة الأولي . لقد شنت تلك القبائل غارات متفرقة على الجيش الغازي . وانطلقت المقاومات الأولى بدءاً بتمرد حسن كاشف في منطقة صواردة والذي عبر عن الروح القومية للمقاومة بخروجه برجاله ولجوئه إلى دارفور ليقاوم الغزاة مع المقدوم مسلم . ولم تقف المقاومة التي تعبر عن الإحساس بالمصير المشترك في حدود قبيلة معينة . بل امتدت المقاومة إلي منطقة الشايقية بقيادة زعيمها شاويش وابنه كمبال ، وفي منطقة الجعليين بقيادة المك نمر ، وفي منطقة العبداللاب بقيادة ود عجيب وفي الجزيرة بقيادة حسن ود رجب وأرباب دفع الله(78). لقد عمت المقاومة جميع أرجاء السودان باستثناء بعض المجموعات السكانية التي ساعدت الحملة بامدادها بالجمال وإرشادها للوصول إلى السودان ، كما كانت الحالة مع مجموعات العبابدة في شمال السودان(48). ولو قدرت لهذه الجماعات القبلية المقاومة قيادة موحدة ،على غرار القيادة الوطنية التي ظهرت بعد ستين عاماً من ذلك التاريخ ، لتغيرت صورة السودان كثيراً عما هي عليه الآن ولظهرت الدولة السودانية المستقلة منذ ذلك التاريخ . وعلى كل ،فإن المحنة الاستعمارية الأولى في السودان بمثالبها ومناقبها ساهمت في تحلل البناء القبلي وتنمية التوجهات القومية بطريقة غير مباشرة . فقد توحدت البلاد لأول مرة تحت مركزية واحدة . كما اسهم النظام التركي في السودان على تحقيق نوع من التنظيم الإداري وعمل على تحسين المواصلات التي من شأنها أن تعمل على تسهيل الاتصال بين المجموعات السكانية في المواقع المختلفة . وبضمه لجنوب السودان إلى مركزية الخرطوم دخلت البيئة السودانية الرابعة معترك الحياة السودانية والتي تحولت بموجبه عنصريات القبائل الشمالية فيما بينها إلى عنصرية عرقية ودينية بين الشمال والجنوب . وبرعايته للطوائف الدينية ، عمل النظام التركي بطريقة غير مباشرة على تحلل النظام القبلي حين بدت هذه الطوائف قوة سياسية لا تحدها في الغالب حدود القبيلة ولا الإقليم . كما عمل في الاتجاه نفسه انتشار الطرق الصوفية التي دعمت التوجهات القومية . ورغم أن جذور هذه الطرق لم تنبت في البيئات السودانية ، فقد كان لها مرشدون وخلفاء محليون حاولوا نشر هذه الطرق في السودان . فأصبح لها مريدون من مختلف البيئات السودانية يتجمعون حول الأقطاب الشيوخ كأسرة واحدة بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو اللونية أو الإقليمية مما أدى إلى مزيد من التحلل القبلي . "لقد تمكنت الطرق الصوفية من اختراق الحواجز الإقليمية والقبلية وتجاوزت بمسلكياتها الأخلاقية أطر التعصب ساعية على نحو عفوي لإيجاد تدامج وطني عام"(80). إلا أن رعاية الحكم التركي وإيثاره لبعض الطوائف الدينية ، كما يقول محمد عمر بشير ، خلقت نوعاً من التوتر بين هذه الطوائف ، وأدت إلى انتشار السخط بين طبقة الفقهاء وبعض أرباب التصوف(81). وقد استثمر محمد أحمد المهدي هذا السخط والتذمر إلى جانب السخط الشعبي العام ، في تأليب العامة ورجال الطرق على الحكم التركي وفي قيادة أول ثورة وطنية ضمت إلى صفوفها كل القبائل والبيئات السودانية المختلفة . المهدي الذي ولد في البيئة النوبية في جزيرة الأشراف وأنطلق في ثورته من البيئة الثانية في الجزيرة أبا ، وتوج انتصاراته في بيئة الصحراء الغربية ، وتمثل عنفوانه في عنفوان دقنة في بيئة الصحراء الشرقية ، ووصل صوته إلى البيئة الرابعة في جنوب السودان ، حقاً كان أول رمز من رموز الوطنية السودانية التي عملت على ترسيخ نوع من القيم القومية والتوجهات نحو الدولة-الأمة على أنقاض القبيلة-الدولة.
ولكن القبلية السودانية التي عمل العهدان التركي وحركة المهدي على تحطيم حواجزها ، بدأت تطل برأسها مرة أخرى في أواخر الدولة المهدية حين بدأت الفتنة القبلية في توجهات أهل النيل وفي سياسة الخليفة عبد الله في تقريب بطاناته من أهل الغرب من مراكز السلطة في أمدرمان لحفظ التوازنات القبلية . وحتى هذه السياسة التي يفسرها البعض على أنها سياسة عنصرية ، قد عملت على المدى البعيد على تحلل النظرة العنصرية والنعرة الإقليمية . ذلك لأن أهل الغرب الذين استقروا في أمدرمان واصبح لأبنائهم وأحفادهم شأن كبير في تشكيل الحياة السياسية السودانية ، تمكنوا بحضورهم من تغيير نظرة أهل الوسط إلى عناصر أهل الغرب الذين أصبحوا جزءٌ من هذه البيئة . وربما لو ظل أهل الغرب في ديارهم دون أن يختلطوا بأهل الوسط لازدادت الفجوات العنصرية والإقليمية بين بيئتي النيل والصحراء الغربية .

· استوطن الجهنيون في ثلاث مناطق هي : 1) الجزية والبطانة : وهم الخوالدة والعوامرة في الجزيرة ، الحلاوين في شمال الجزيرة واللحويون والشكرية في أرض البطانة ورفاعة على النيل الأزرق 2) جهينة شرق ووسط كردفان وهم : دار حامد ، بني جرار ، الزيادية ، البزعة ، الشنابلة ، المعالي 3) غرب كردفان ودارفور: وهم الدويجية ، المسلمية ، البقارة ، المحاميد ، الكبابيش ، الحمر :
أنظر : صلاح الدين علي الشامي ، السودان : دراسة جغرافية ، الأسكندرية ، منشأة المعارف ، 2000، ص 283

(78) محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان ، مرجع سابق ، ص17 .

(48) حمدنا الله مصطفى حسن ، العبابدة تحت الإدارة المصرية في السودان: 1820-182 ، القاهر ،مكتبة النهضة المصرية ، 1991، ص ص 31، 32 .

(80) محمد أبو القاسم حاج حمد ، مرجع سابق ، ص 51.

(81) محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان ، مرجع سابق ، ص ص 21،22 .


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:31 AM   #16
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة (12)
الذات القبلية في ظل الدولة السودانية الحديثة
تمهيد
بدت الهوية القبلية في صورتها التاريخية الأولى القائمة على ذاتها والمكتفية بذاتها مثالاً نموذجياً للمجتمع الأحادي الذي لم يعرف أفرادها الانصياع والخضوع لإرادة غير إرادة مجتمعهم القبلي. وحيثما كان انفصال "السياسي" كقوة قاهرة عن "الاجتماعي" و"الروحي" و"الثقافي" مرفوضا ً. عندها كانت سلطة الزعيم القبلي وجهاً آخر لسلطة القبيلة ومرتبطة بكل ما هو مقدس في عرف القبيلة وتقاليدها وقيمها. في هذه المجتمعات التي ينظر إليها كمجتمعات بدائية ، كان مستحيلاً أن توجد فيها الدولة بمفاهيمها وأطرها النظرية التي يضفيها المنظرون على مجتمعات الدولة الحديثة . تحولت تلك المجتمعات إلى مجتمعات دولتية بكل ما تحمله الدولة من تناقضات وتوترات في كثير من حالاتها بين مكوناتها الاجتماعية والسياسية . أي حدث ذاك الذي سمح لأولئك الذين كانوا يستحوزون على الخضوع الطوعي من أفراد المجتمع القبلي أن يتحولوا إلى ملوك وأباطرة ورؤساء يبحثون عن وسائل القهر لإخضاع شعوبهم ؟ أما كانوا قادرين على إقامة نظام العادل بتماثلهم مع عدلية المقدس ونظامه؟ ما الذي حول رموز المقدس إلى هذا الكيان الهلامي الجديد الموصوف بالتعالي على الجميع ؟ تلك هي الدولة التي تقمصت لباس المقدس وفرضت سلطتها وأصبحت صاحبة الهيمنة والسيادة .
ولعل مما يجدر بالإشارة هنا ونحن بصدد الحديث عن الهوية القبلية ، أننا لا نعني بالقبلية تلك المؤسسة التاريخية بمفهومها الانثربولوجي وبكل ما تحمله من مقومات العرقية . إذ أننا نادراً ما نجد في القبلية الراهنة تلك المواصفات التاريخية التي تتلاشى مع عوامل المزج والانصهار في ظل الدولة القومية.ولا تكاد توجد قبلية صافية تطورت إلي دولة قومية دون أن تدخل عليها عناصر قبلية أخرى. وقد نكون أقرب إلى الحقيقة عندما نتحدث عن النزعات القبلية في إطار الدولة القومية ، أن نتحدث فعلياً عن الجماعات الاثنية التي لا تخلو من بعض من مصادر العرقية وهماً كانت أو حقيقة .هذه الجماعات التي تمتلك أحيانا أسبابا أكثر موضوعية من الأساس العرقي ووحدة النسب والتي تشكل لديهم قوة التحامية تعمل على تمايزهم عن الجماعات الأخرى . ولعل واحداً من هذه المصادر التي تدفع إلى التحام الجماعات، تلك النزعات الإقليمية التي تشكل في دولة كالسودان ما اصطلحنا عليه في هذه الدراسة بالقبلية الجديدة تمييز لها عن الصورة الأنثربولوجية للقبلية التاريخية القائمة على وحدة السلالة ورابطة الدم وكمال النسب .
في هذا الفصل وللوقوف على انعكاسات الذات القبلية في الدولة السودانية الحديثة – التي حددنا بدايتها بسقوط الدولة المهدية وبداية الحكم الثنائي عام 1898- ، سنتناول انعكاسات السياسة الاستعمارية على تطور السلوك القبلي والذات القبلية ومناهضتها لتطور الذات القومية . ومن ثم تطور السلوك القبلي في الدولة الوطنية بعد مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:35 AM   #17
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة (13)
دور الاستعمار في مناهضة الذات القومية
مع مرحلة الانتقالات الكبرى التي شهدها القرن التاسع عشر والقرن العشرون، شهدت الدول الغربية تطوراً مطرداً نحو بناء الدولة القومية التي تتطلب توحيد أركانها على أنقاض التشرذم الفئوي ؛ العرقي والديني. تمظهرت الدولة القومية مع الإضافات النظرية للفكر القومي ، ومع اختلاط الفكر السياسي مع الفكر الاجتماعي والاقتصادي في مجابهة الثورة الصناعية . وتبلورت فكرة الدولة القومية وأهميتها مع التسارع التاريخي نحو الشمولية المغلفة بالفكر القومي العنصري في حركتي النازية والفاشية ومع تقدم الأيديولوجيا الليبرالية المصطدمة بأممية لينين وتروتسكي للقوميات، ومع بروز أيديولوجية الحروب الكونية وما نجم عنها من توجهات نحو تقرير المصير للشعوب المستعمرة . في أحشاء هذه المستجدات كانت الدولة القومية تنمو ، ومن مخاضها خرجت لتستوي في دول العالم الثالث بطابع أيديولوجي جديد ليقدم وظائف سياسية جديدة لهذه الدول .
لم تكن الشعوب المعروفة بشعوب العالم الثالث بعيدة عن مجريات الأحداث في المجتمعات الأوربية والتغيرات الكبرى التي حدثت نتيجة الثورة البرجوازية والتقدم المضطرد في بناء الدولة القومية على أنقاض الاقطاعيات الملكية. ولم تكن تنقص تلك الشعوب التطلعات إلى مواكبة تلك الأحداث في بناء دولة قومية تضم الشتات القبلي والطائفي والعرقي وتعمل على تحقيق الطموحات للانتقال من مجتمعات بدائية تقليدية مجزأة ومتخلفة إلي مجتمعات دولتية تسير على خطا أوربا لتحقيق الرفاه والاستقرار لشعوبها الممزقة . صحيح أن هذه الشعوب تختلف كثيراً في خلفياتها عن الخلفيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تمخضت عنها الدولة القومية في أوروبا . إذ أن هذه المجتمعات لم تكن على غرار المجتمعات الغربية فيما كان يدور فيها من صراع بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية . ولم تكن هناك فواصل كبيرة بين الطبقات الاجتماعية . كما لم تشهد هذه المجتمعات اغتراباً اقتصادياُ من ذلك النوع المواكب لثورة التصنيع والتقدم التجاري . لقد كانت معظم هذه المجتمعات مجتمعات مجزأة تشكل القبلية والفئوية الطائفية أركان كياناتها الاجتماعية والاقتصادية .
في المراحل السابقة لمرحلة الاستعمار ، ظهرت في هذه المجتمعات – والسودان واحد من هذه المجتمعات - تطلعات إيجابية لتوحيد القبائل المتفرقة في إطار دولة قومية تعبر عن أماني الشعوب في اللحاق بمجتمعات الدول القومية التي سبقتها . وبالفعل بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حركات ثورية في المنطقة العربية وبعض بلدان العالم الثالث الأخرى . وبدأ تطور طبيعي في اتجاه انهيار المجتمع القبلي في بعض المجتمعات الأفريقية . تلك الخطوات الأولي في اتجاه التقدم نحو الدولة القومية ، لم يشأ له مجتمع المدنية التجارية في أوربا أن تواصل مشوارها. إن أوربا التي كانت قد أنجزت وحدتها القومية على حساب الكنيسة والإقطاع ، وبدأت المؤسسات الصناعية الرأسمالية تزدهر فيها ، وأخذت آلتها الصناعية في إنتاج الفوائض الضخمة من التراكمات السلعية التي تفيض عن الحاجات المحلية ، بدأت البحث عن أسواق جديدة خارج أوربا من أجل استمرار دوران عجلة صناعتها ولزيادة التراكم والنمو الرأسمالي. " فأنطلق المغامرون الأوربيون ، تجاراً يحملون إلى شعوب الأرض قاطبة عجائب ما تبدعه الآلة الأوربية، وخلفهم جيشان : واحد لحماية المصالح بقوة السلاح ، وواحد لتخدير كل مقاومة محتملة لسحر التبشير المسيحي"(1). انطلق المغامرون الأوربيون لاقتسام أسيا وأفريقيا. فدخل الفرنسيون في الجزائر وغرب أفريقيا وكمبوديا وفيتنام ، كما دخل الألمان زنجبار, وتوغل الهولنديون إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا واستعمر الإنجليز مصر والسودان ونيجيريا وسنغافورة وعدن والهند . وجاءت قرارات مؤتمر برلين في فبراير 1885 لتضفي طابع الشرعية للدول الأوربية على اقتسام أفريقيا وتدعو الدول الأوربية الراغبة في احتلال أرض أفريقية أن تدعم رغبتها باحتلال فعلي أو حماية واقعية وتمارس سلطتها عليها شريطة أن تسمح بحرية المرور والتجارة في مستعمراتها(2). ولم تبلغ الرأسمالية ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر ، إلا وكانت معظم دول أفريقيا وآسيا مستعمرة أوربية أو شبه مستعمرة . لقد صارت حوالي 9.3 مليون ميل مربع من المساحات الأرضية و309 مليون نسمة تحت الاستعمار البريطاني في عام 1899 م . و3.7 مليون ميل مربع من الأراضي و56 مليون نسمة تحت الاستعمار الفرنسي في نفس العام . وواحد مليون ميل مربع من الأراضي و14.7 مليون نسمة تحت الاستعمار الألماني في نفس السنة أيضاً(3). لقد جاء أنبياء الحضارة الرأسمالية حسب زعمهم ،إلى هذه البلدان على إيقاع صليل السيوف مع اللنبي ، وهدير المدافع مع كتشنر ، ليبشروا البشرية بولادة عصر جديد يخلص الناس من العبودية والجوع والعري ، ويطعمهم ملح الحرية والإخاء والمساواة. لقد قالوا أن ما تكرر في فرنسا الثورة سيتكرر في كل مكان في العالم وأنهم سيحملون إلى العالم بذورها لتدمير الإقطاع وتحقيق الوحدة القومية ونشر مذهب الاقتصاد الحر وأسس الديمقراطية وسيادة الشعوب . ولكن تغيرت وجهتهم الحضارية عندما وفدوا إلى دول العالم الثالث إلى استعباد شعوبها ونهب ثرواتها . إنهم لم يتركوا أجنة الثورة القومية في هذه البلدان أن ترى مخاضها. لقد اغتالوا الثورة المهدية في مهدها وأجهضوا العرابية وسلبوا عقال الشريف حسين ونفوا أسرة الملك الأشانتي برميه*وحاولوا وأد طموحات المهاتما في بناء دولته القومية.
إن الاستعمار الأوربي كان سبباً أساسياً في وأد طموحات كثير من شعوب العالم الثالث في انطلاقتها نحو تأسيس الأمة – الدولة ، بل كان سبباً مباشراً فيما تعانيه بعض هذه الدول اليوم ومنها السودان ، من تمزق وحروبات أهلية بين أبناء الوطن . فقد اتبع الاستعمار سياسيات معادية لتطور الهوية القومية من منطلق رؤيتها لخطورة مثل هذا التطور على مصالحها السياسية والاقتصادية . فلم يقتصر دوره على نهب ثروات البلاد وربط عجلة اقتصادها بخطوط التبعية مع اقتصادياتها الرأسمالية فحسب ، وإنما امتد إلى تخريب البنية الاجتماعية بشتى الوسائل للقضاء على بوادر التطور التي كانت قد بدأت مع حركة الثورات القومية في بعض من هذه الدول . إحدى الوسائل التي اعتمد عليها الاستعمار في تطبيق مبدأ " فرق تسد"، تكمن في الولوج لتخريب واحد من أهم القيم التي تحافظ على توازن المجتمعات القبلية . لقد كان الاستعماريون على دراية كاملة بطبيعة المجتمعات الفطرية وبطبيعة التضامن الذي يسود مثل هذه المجتمعات ، وبقوة التضامن القبلي في مواجهة التحديات التي تؤدي إلى اختلال توازناتها. لقد عمد الاستعمار إلى تدمير الروح السامية التي تحرك التضامن القبلي ، روح المقدس مصدر كل السلطات ، المهيمن على الرباط الوثيق بين "الاجتماعي" و"السياسي" . فكان علي المستعمر الأوربي أن يهيمن على هذا المصدر أو يدمره ليضمن تبعية "الاجتماعي" "للسياسي". فجاءت حملات التبشير المسيحية في رفقة الجيوش الاستعمارية وهي على استعداد للتواطؤ مع الشيطان لاقتلاع الروح التي توجه أولئك البشر . فتوجهت إلى خلق فتنة دينية بتشكيلها لأقليات مسيحية نخبوية تتمتع بامتيازات خاصة وتعمل على انتزاع المقدس في روحانيات القبيلة الفطرية . يقول مصطفى محمود في ذلك ، إن المدارس التبشيرية كانت تعمل على إضعاف الروح القومية والتماسك الاجتماعي . ولم يكن الأفريقي في حاجة إلى عقائد . فعنده من هذه العقائد الكثير . وعنده رب رحيم يهديه في حياته .عنده ديانة رقيقة ملائمة لحياته ، ليس فيها فكرة الجحيم ولا فكرة العذاب الأبدي ولا فكرة الخطيئة الأولى . يحيره الكاثوليكي حين يبشره بالتعاسة إذا تزوج أكثر من واحدة .كيف لا والنسل الوفير سلاحه في حربه ضد الفقر والمرض والحيوانات المفترسة .عنده الانقراض والفناء أن يتضاءل نسله . إن هذه القبائل كانت تعيش في إخاء وتعاون ومحبة أكثر من المجتمعات التي عرفت الإنجيل(4).
لقد تمكن الاستعماريون من خلق أزمة حقيقية في إحدى أهم العناصر المعنوية التي كانت تمثل القناعات السائدة في المجتمع الفطري ، والتي كانت تشكل الإدراك الجماعي المتجانس وتبلور التوافق المثالي ، العنصر الذي تثمثل فيه قيمة من أهم القيم القبلية . إن المعتقدات الروحية التي سادت في هذه المجتمعات تعتبر في الواقع قيمة حقيقية تنبع من ذاتية ليست فردية فحسب ، وإنما هي أيضا قيمةً جماعية ترسبت عبر الخبرة التاريخية لتدخل في صميم الوجدان الاجتماعي مشكلاً بذلك إيمان الفرد بانتمائه لقيم الجماعة(5). وعندما تتحول هذه القيمة الجماعية إلى قيمة فئوية وتبقى امتيازاً لنخبة مختارة تقوم بخدمة "السياسي" ، تتوقف هذه القيمة من أداء دورها المثالي المقدسي والأخلاقي إلى قيمة سياسية مستقلة ومنفصلة تخدم النظام السياسي الذي يتعهدها .
في الحقبة الاستعمارية الثانية في السودان ، سعت الإدارات الاستعمارية إلى إذكاء نار الفتن الدينية التي عملت وما زالت تعمل على تمزيق تلك المجتمعات . وعمدت كذلك إلى إثارة العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية التي من شأنها تعطيل الروابط القومية . فبعد أن تمكن الاستعمار بالفعل من خلق توترات في بنية المقدس القبيلي بخلق الراهب المحلي القادر بامتيازاته المادية على التأثير في بعض من أعضاء المتحد القبيلي دون الآخرين وإحداث شقة روحية بين أعضاء الرابطة في أوساط بعض السكان في جنوب البلاد ، عمد إلى إثارة الفتن الدينية بينهم وبين المسلمين في الشمال . كما لجأ بوجه عام إلى أسلوب آخر يتمكن من خلاله من إحداث مزيد من التفرقة والتناحر بين أبناء الوطن الواحد . وأتبع في ذلك سياسة التقرب من بعض القبائل على حساب قبائل أخرى ، ومن بعض الطوائف على حساب طوائف أخرى، ومن بعض العائلات على حساب عائلات أخرى . كل ذلك بهدف كسب ولاءات القبائل والطوائف والعائلات المقربة وضمان تبعيتها في الوقت الذي تعمل فيه هذه السياسة على تحلل البناء القومي بخلق عداوات بين العناصر السكانية في الدولة .
للمزيد من الفرقة ، اتبع الاستعماريون في السودان سياسية تعليمية مناهضة لتطور الفكر الوطني . حيث شددوا علي مناهج تعليمية من النوع الذي يمجد الحضارة الغربية الرأسمالية . كما عمدوا إلى تدريب كوادر وظيفية وخلق طبقة من الموظفين أصحاب الياقات البيضاء بالقدر الذي يحرك عجلة الوظائف الدنيا دون أن يمنحوا فرصاً للتعليم التقني باستثناء قلة من أبناء الأعيان المقربين الذين منحوا فرصاً لمواصلة تعليمهم في الدول الغربية على أمل أن يشكلوا صفوة تدين بتعليمها للثقافة الغربية وتكون سنداً لها في المستقبل. وبذلك أضافوا شكلاً آخر من أشكال التمييز الذي كان له دور بارز في تقسيم المجتمع السوداني إلى صفوة متعلمة وغالبية جاهلة.
لقد تمكنت القبلية في السودان من إعادة أنفاسها بتشجيع من الحكام الجدد الذين أتبعوا سياسة جديدة في إنعاش الروح القبلية . وفي ذلك يقول زكي البحيري ، أن الإدارة الثنائية أوقفت عوامل التوحد والانصهار عن طريق تعميق الشعور بتشجيع الدراسات العنصرية ، وأنه بصدور كتاب هارلد ماكمايل " تاريخ العرب في السودان " بدأ العديد من الكتاب الإنجليز في كتابة مقالات مطولة عن قبائل الشمال والجنوب والتي ساهمت بدورها في إبراز التباين العنصري والقبلي(6) كما اتخذوا خطوات جديدة في إضعاف التوجهات العروبية بخلق فتنة بين الشمال والجنوب وذلك بالإسراع في فصل أقاليم البلاد الشمالية عن الأقاليم الجنوبية والاستعانة في هذا الشأن بالإرساليات المسيحية واتباع سياسة المناطق المقفولة في الجنوب منذ عام 1922 ومنع التجار الشماليين من ارتياد الجنوب وترحيل بعض القبائل الشمالية من بعض المراكز الجنوبية . يقول مدثر عبد الرحيم نقلاً عن جيمس كوري أحد مدراء التعليم السابقين في السودان ، إن الإداريين الشبان كانوا يبحثون بجد عن القبائل الضائعة ورؤسائها الذين تلاشوا وذلك لإعادة بناء نظام اجتماعي كان قد فقد أنفاسه إلى الأبد(7). ولكن لماذا كان هذا البحث جارياً لإحياء نظام فقد مقومات حياته ؟ وكيف تمكنت الإدارة البريطانية من بعث روح جديدة في هذا الكيان ؟ لقد سعى البريطانيون إلى إعادة النظام القبلي في السودان لهدفين: الهدف الأول ، هدف سياسي يرمي إلى تحطيم الروح القومية التي بثتها الثورة المهدية على حساب الروح القبلية وضمان سيادة التشتت القبلي الذي من شأنه أضعاف الهوية الجمعية على مستوى المقاومة والثورة في وقت لم تخمد الثورات ولم تقف المقاومة . أما الهدف الثاني ، فقد كان هدفاً تنظيمياً على مستوي الإدارة المحلية . وفي هذا الشأن يقول مدثر عبد الرحيم ، بأن الإدارة البريطانية التي بدأت في أول عهدها في السودان شبه دكتاتورية عسكرية ، أخذت تتطور نحو مزيد من المشاركة المدنية على مستوى الحكم المركزي . وتبلور هذا التطور إلى ظهور مجلس الحاكم العام في عام 1910 لممارسة سلطات تنفيذية وتشريعية برئاسة الحاكم العام . أما على مستوى الحكم المحلي فقد تم تقسيم البلاد إلي مديريات وضع كل منها تحت حاكم عسكري بريطاني يعاونه مفتشون بريطانيون . ويأتي في أسفل هذا الهرم الإداري مآمير مصريون وشيوخ سودانيون من رؤساء القبائل . وقد أعيد تخطيط حدود المديريات وتقسيماتها عدة مرات بين الإدماج والفصل لاعتبارات سياسية من بينها إحياء النظام القبلي وتثبيته . ولأسباب مالية استدعت تقليل تكاليف التوظيف ، وأسباب سياسية تهدف إلى تقليل النفوذ المصري ، تبنت الإدارة البريطانية في السودان ومنذ عام 1919 سياسية إحلال السودانيين في الإدارة محل المصريين . وبالفعل بدأوا نوعاً من السودنة في وظائف المآمير وفي المجالس البلدية ." وكان من المتوقع أن يطرأ تبدل في تاريخ السودان الإداري ، باطراد نسبة تدريب السودانيين على الخدمة في مختلف فروع البيروقراطية الحكومية"(8). إلا أنه مع تدريب السودانيين وفتح المدرسة العسكرية وكلية غردون ، ظهر جيل من الكوادر العسكرية والمدنية الوطنية المثقفة . وقد تأثرت هذه الكوادر بحركة ثورة 1919 المصرية ، في تنمية توجهاتها الوطنية . وبالفعل شهدت الأعوام من 1920 إلي 1923 نمواً مطرداً في الحركة الوطنية السودانية التي تحذوا حذو الثورة المصرية وتتخذ من الأحزاب السياسية المصرية مثالاً في حركتها الوطنية . وتطورت حركة المثقفين إلى مرحلة تكوين الجمعيات السياسية السرية بدءاً من جمعية الاتحاد السوداني (1920 إلى جمعية اللواء الأبيض (1923) وحركة ثورة 24 التي تزامنت مع مقتل السير لي استاك(9). ومنذ أحداث 1924 لم يعد البريطانيون يثقون في المثقفين السودانيين باعتبارهم واجهة للسياسة المصرية وعناصر مناهضة للوجود البريطاني في السودان . لذا فقد عملوا على إضعاف التأثير المصري على حركة المثقفين السودانيين ، فعمدوا إلى تشجيع التوجهات الاستقلالية التي كان يقودها عبد الرحمن المهدي .
وللحد من نفوذ المثقفين الوطنيين في السلك الإداري ، قاموا باستبدال نظام الحكم المباشر بنظام الحكم غير المباشر والذي تم بموجبه منح سلطات إدارية وقضائية لرؤساء العشائر في نطاقهم القبلي . وبمزيد من الصلاحيات والامتيازات الممنوحة لشيوخ القبائل ونظارها ظهرت طبقة من رجال الإدارة الأهلية المتمتعين في حدود قبائلهم بالنفوذ السياسي والمالي . وما كان لهذه الطبقة من رجال الإدارة الأهلية أن يتنازلوا عن امتيازاتهم القبلية ، بل عملوا من جانبهم على ترسيخ فكرة النظام القبلي والتمسك به كقيمة حقيقية تحفظ لهم مكانتهم السياسية والاجتماعية والإقطاعية . ولاشك أن لمثل هذا المسعى دوره الفعال في اتجاه ترسيخ فكرة الذات القبلية وتنمية السلوك القبلي وتطوره في إطار التنافس بين الوحدات الإدارية ذات الصبغة العشائرية لكسب أرضيات مصلحية جديدة على مستوى الدولة .

(1) نجاح واكيم ، العالم الثالث والثورة ، بيروت ،معهد الإنماء العربي ، 1982 ، ص 39 .

(2) أنظر :أحمد الجبير ، العلاقات العربية الأفريقية، طرابلس ، منشورات الجامعة المفتوحة ، 1992 ،ص ص 40،41 .

(3) المرجع السابق ، ص41 .

* أحد ملوك قبيلة الأشانتي الأقوياء عبر عن عمق المفهوم القومي برفضه الحماية البريطانية وتحمله لتبعات رفضه التي أدت إلي
نفيه ونفي أسرته .

(4) مصطفى محمود ،الغابة ، ( الطبعة الخامسة ) ، القاهرة ، دار المعارف ، 1990 ، ص ص 52-56 .

(5) عصام العامري ، " طغيان أزمة القيم ومسؤولية الفكر القومي في الواقع العربي" ،، في: صالح إبراهيم (محرر ) ، مجلة الدراسات العليا ، طرابلس ، أكاديمية الدراسات العليا والبحوث الاقتصادية ، العدد الرابع ،خريف 1427 .

(6) زكي البحيري ي ، مرجع سابق ، ص 319 .

(7) مدثر عبد الرحيم ، مرجع سابق ، ص63 .

(8) المرجع السابق ، ص 58-60.

(9) محمد عمر بشير ، مرجع سابق ، ص 100 .


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:44 AM   #18
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



ال

الحلقة (13)
السلوك الفئوي في ظل الدولة الوطنية
:

بعد أن وقفنا على دور الاستعمار في زرع التفرقة بين الكيانات القبلية المختلفة وعمله على مناهضة قيام الدولة القومية الجامعة لمختلف التعدديات على أساس من الترابط الوجداني والوطني ، سنتناول فيما يلي انعكاسات تلك السياسات الاستعمارية في بلدان العالم الثالث ونموذج الدولة السودانية ،على تطور السلوك الفئوي في مرحلة ما بعد الاستعمار وما ألت إليه من تناحر حزبي مؤسس على البناء القبلي والطائفي في مرحلة الجيل الثاني التي تلت مرحلة زعما التحرر الوطني ، ومن ثم البحث عن الدكتاتور العادل القادر على بناء الوحدة الوطنية الجامعة لمختلف التعدديات السكانية .
مع حتمية التطور التاريخي للمجتمعات السياسية ، ما كان للكيانات السياسية للمجتمعات المجزاة القائمة على روابط الدم والصلات القرابية إلا مواكبة التاريخ وتطوراته الاجتماعية والاقتصادية لتشكل جزءًا من مجتمع أكبر، مجتمع الدولة الذي قد يضم مجموعات مختلفة من الكيانات القبلية . إن مجتمع الدولة رغم ما يكتنفه من صراعات وتوترات ، يبقي الأقدر على تلبية متطلبات التطور التاريخي. ولو قدر لكيان قبلي متجانس أن يتوسع مع مركزية عرقية تضامنية ودون أن تدخل عليه عناصر عرقية غريبة ، وتمكن من تشكيل دولة على غرار المؤسسة القبلية ، لوجدنا في مثل هذه الدولة نموذجاً سعيداً لدولة القبيلة . ولكن مع حركة التاريخ تحدث تطورات داخلية في بنية المؤسسة القبلية نفسها . يتوسع نطاق القرابة ويمتد إلى عشائر وبطون متفرعة تضيق بها الأقاليم التي قامت عليها القبيلة أساساً فتنتشر امتداداتها إلى أقاليم أخرى مجاورة ، مشكلة بدنات جديدة تدخل عليها عناصر بشرية جديدة . ومع الانتشار والتمدد والتداخلات البشرية ، تضعف علاقات التضامن والنعرة العرقية والالتحام القائمة على العصبية القبلية ووحدة الأصل . ومع الزمن تظهر علاقات جديدة طابعها التنافس والصراع على موارد الأقاليم المتجاورة . وقد يفضي مثل هذا الصراع والمنافسة إلى حروب بين هذه الأقاليم ليتمكن المنتصر فيها من إخضاع الأقاليم المهزومة تحت سيطرتها السياسية مشكلاً بذلك ما يعرف بالدولة . وقد تصل هذه الأقاليم دون الدخول في صراعات حربية إلى صيغة توفيقية تتحالف بمقتضاها الأطراف الإقليمية في إطار جديد من الوحدة السياسية متنازلين بذلك عن إرادتهم الخاصة إلى إرادة عامة جامعة تعبر عنها ما يعرف بإرادة الدولة. وفي مثل هذه الحالات تتجلى ضرورة ظهور الدولة الوطنية ككيان جامع لتناقضات القبائل والأقاليم المتجاورة وكعامل من عوامل امتصاص التوترات وإعادة التوازن وصياغة التضامن وتجسيد الإرادة المشتركة لمكوناتها القبلية والإقليمية . وقد يظهر مثل هذا الكيان الجامع نتيجة لغزو خارجي أو وفود قوة خارجية كما هي في حالات الاستعمار الوافد والذي يسعى إلى جمع تلك الكيانات الإقليمية تحت سلطة سياسية مركزية لغرض السيطرة عليها والاستفادة من الموارد الاقتصادية والبشرية المتوفرة فيها . بخروج الاستعمار يبقي الواقع الذي يتركه إطاراً أساسياً لتشكيل كيان سياسي يستند على الاعتراف الدولي ، ليظهر ما يعرف بالدولة القومية أو الدولة الأ.مة أو الدولة الوطنية .
انبعاث الذات القومية مع حركة التحرر الوطني
اتبع المستعمرون سياسات معادية لانبعاث ذات قومية من شأنها أن تعمل على إذكاء حركة التحرر الوطني ، وعملوا على القضاء على التوجهات القومية لبناء الدولة الوطنية على أنقاض المجتمعات القبلية . فأعادوا للقبلية وجهها التناحري بعد أن سلبوا منها قيمها . وقسموا المجتمع إلى أقليات تحظى بامتيازات الولاء وأغلبيات مهضومة الحقوق. ورسموا للبلاد حدوداً أدخلوا عليها قبائل وقوميات جديدة . وفرقوا قبائل وقوميات ما بين دول مختلفة . إلا انه مع اشتداد وطأة الاستعمار ونمو الوعي الوطني ، تكامل الشتات مرة أخرى لمقاومة الاستعمار .
وبدأت الحركات المناهضة لها تشكل قوة وطنية جديدة لها طابع قومي مميز. وبدأ قادة هذه الحركات يعملون على تنمية الذات القومية لشعوبهم استناداً على الأيديولوجيا القومية وفق مفاهيم جديدة ترتبط بكره المحتلين وبالوطنية والتحرر وحق تقرير المصير . وتمت صياغة مفاهيم الشعب والأمة المتطلعة إلى بناء دولته الوطنية الجامعة لكل التعدديات التي جمعها الاستعمار داخل حظيرة واحدة .
وبحكم المصير المشترك بين القوميات التي تواجدت في إطار الدولة ، وبحكم شراكتها في مناهضة الاستعمار ، نشأ نوع من التقارب الوجداني الذي يولد مشاعر جياشة تكنها القوميات المختلفة للرابطة السياسية التي فرضتها الظروف عليهم وأصبحت واقعاً حقيقياً بأسانيدها القانونية وباعترافات الآخرين . تلك المشاعر التي تكنٌ عن الإخلاص والولاء والمتجهة إلى كيان الدولة بغض النظر عن مكوناتها القومية ، كان تعبيراً صادقاً عن انبعاث الذات القومية داخل الدولة الوطنية في هذه المرحلة .
مع حركة التحرر الوطني ، أصبحت القومية تشكل مذهباً سياسياً مميزاً عرف بالقومية الجديدة (New Nationalism) تمييزاً لها عن المذاهب القومية التي سادت أوروبا من قبل . فإن كانت الحركة القومية اتجهت في أوروبا في القرن التاسع عشر إلى خلق الأمة- الدولة على حساب السلطة الإقطاعية الملكية ، فإن قومية التحرر في العالم الثالث اتجهت إلى تحرير الوطن من الهيمنة الخارجية بتسخير كافة قطاعاته السكانية واستنهاضها لتحقيق أقصى درجات التلاحم القومي من أجل خلق الدولة- الأمة*.
لفتت هذه المذهبية الجديدة أنظار الباحثين السياسيين في القرن العشرين إلى دول العالم الثالث التي كانت تخضع للاستعمار للنظر في قدرة هذه المذهبية على إلهاب المشاعر القومية وتنمية الذات القومية للجماعات والأفراد لمقاومة الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني(10). وبالفعل شهدت الفترة ما بين الحربين مداً قوياً في حركة القومية الجديدة لتكتسب قوتها التفاوضية علي قدم المساواة مع الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولي مع ميلاد عصبة الأمم ومع اقتراح الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لنقاطه الأربعة عشر التي كان من ضمنها حق شعوب المستعمرات في تقرير المصير.
في هذه المرحلة يمكن القول أن كل أنواع التوجهات القبلية والإقليمية قد اختفت خلف شعار التحرير والتزم الجميع بهذا الشعار تحت قياداتها الكاريزمية وأحزابها المنحصرة في مقاصد التحرير والاستقلال . لقد وقفت الشعوب خلف قياداتها السياسية بغض النظر عن انتماءات هذه القيادات الفبلية والحزبية والجهوية. ولكن هل تمكنت هذه القيادات في مرحلة ما بعد التحرر من الحفاظ على مواقف الشعوب واستثمار هذه المواقف على أسس متينة تكفل استمرار الوجدان والمشاعر الوطنية لبناء الوحدة الوطنية.
* في ظل تداخل القبائل والقوميات والثقافات المختلفة داخل الحدود التي رسمها الاستعمار كفواصل للدول المستعمرة وأصبحت تشكل وضعا قائماً (Status Que. ) ، لم بكن في إمكان قادة حركات التحرر أن يدعو إلي قيام الأمة -الدولة ، التي تفترض قيام الدولة علي قومية متجانسة في عناصرها العرقية واللغوية والثقافية والخبرة التاريخية الطويلة المشتركة. لذا فقد كانت الدعوة إلى قيام الدولة التي تضم هذا الشتات كأمة جديدة فرضها الواقع القائم .

(10) أنظر : مالك أبوشهيوة وآخرون ، الأيديولوجيا السياسية ، (الجزء الأول ) ، ( الطبعة الثانية ) ، سرت ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ، 1425 ميلادية ،ص 384 ، 386.




 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:49 AM   #19
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة (14)
انتكاس الذات القومية بعد مرحلة التحرر الوطني
باكتمال مرحلة التحرر الوطني ظهرت الدولة الوطنية الجديدة في معظم دول العالم الثالث تحت قيادات زعماء التحرير . وبدأت الدول الوطنية في آسيا وأمريكا اللاتينية وفي أفريقيا تشق طريقها نحو الاستقلال السياسي تحت مسميات جديدة تعبر في غالبها عن تقاليد تاريخية محلية .
تمكنت القيادات السياسية والآباء التاريخيون من الحفاظ على الوحدة الوطنية وجمع التعدديات على الصعيد الوطني في مراحل النضال التحرري والمراحل الأولى من بناء الدول الوطنية الجديدة . إلا أنه مع نهاية المرحلة الكاريزمية وظهور الجيل الثاني من القيادات السياسية التي لم تكن مؤهلة لتوحيد الجماعات التي تواجدت قبل ظهور الدولة وشكلت مجتمع النضال التحرري ، ظهرت انعكاسات الاستعمار في بوادر الانشقاقات والصراع بين مكونات المجتمع التي تواجدت داخل الحدود المصطنعة . إذ لم تكن هذه القيادات الجديدة ولا أحزابها قادرة من أن تحرر نفسها نهائياً من خصوصياتها القبلية والثقافية والجهوية ومن توزيع السلطة حسب الفئات العرقية والدينية .
لقد عجزت الأحزاب السياسية حتى الموصوفة بالثورية من أن تكون أحزاباً قومية دون الاعتماد على تقليد حقيقي يكفل استمرار الماضي والعودة إلى اللغة القديمة برموزها وطقوسها وطوائفها وتناقضاتها . وأصبحت هذه الأحزاب تعبيراً عن الوزن الخاص بالجماعات العرقية والطوائف الدينية والتوجهات الإقليمية .
كما ارتبطت عمليات التحديث والتنمية الاقتصادية بمناطق النفوذ السياسي مما أدى إلى تفعيل النزعات الإقليمية على حساب عوامل التوحيد التي تكيف البناء القومي . فعلى سبيل المثال لم تتمكن أحزاب الأمة والاتحادي في السودان من التخلص من النزعة الطائفية والتمسك بالتصور التقليدي لنظرية المقدس على الصعيد الديني والموروث الوطني لتجارب المؤسسين التاريخية . مثال آخر نجده في إندونيسيا "التي تجمعها الاختلافات الإقليمية التي يعززها الطابع الجزيري وتفوق جاوة ، والمتغيرات الثقافية والعرقية . لقد حاولت فيها الأيديولوجيات السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال التوفيق بين هذه الاختلافات . إلا أنها أخفقت في إيجاد توازن قومي بينها ، مما أدى إلى أعمال التمرد الإقليمي وانهيار السلطة تدريجياً"(11). وهو ما حدث في كثير من دول العالم الثالث ، وبصورة خاصة في السنغال وغانا وساحل العاج والسودان والهند ونيجيريا وفي دول الوسط الأفريقي في الكنغو وبورندي ورواندي .
مع تسلسل الأزمات الناجمة عن الخصومات القبلية والدينية في غياب شخصية الزعيم الكاريزمي المتمتع بعلاقة مميزة بالشعب من منظوريها النضالي والمقدسي ، بدأ البحث في مجتمعات العالم الثالث عن الزعيم المتمتع بالقوة الكفيلة على إعادة التوازنات القبلية والإقليمية والحفاظ على الوحدة الوطنية، لينتهي البحث عن هذا الزعيم في شخص الدكتاتور العسكري العادل.

(11) بالانديه ، مرجع سابق ، ص 211 .

(12) محمد محجوب عثمان ، الجيش والسياسة في السودان ، القاهرة ، مركز الدراسات السودانية ، 1988 ، ص 16.

(13)Weiner, M., “ Political change: Asia, Africa and Middle East”, in: M. Weiner & Huntington, S., (eds.), Understanding political development, Boston, Brown and Company, 1983, pp. 33-64. .

* للمزيد من حديث الغبن ، انظر : شريف حرير ، " تراجع القومية وانبعاث الاثنية في دار فور" ، في:حيدر إبراهيم ( محرر)، الديمقراطية في السودان : البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، القاهر ، مركز الدراسات السودانية ، يوليو 1984 .

(14)Weiner, M. , Op. Cit., pp. 45-53.

(15)Loc., Cit., p. 45-52.

(16) برتران بادي و بيار بيرنبوم ، سوسيولوجيا الدولة ، ترجمة :جوزف عبدالله ، بيروت ، مركز الإنماء القومي ،
ب.ت ، ص ص 94،95 .

(17) المرجع السابق ، ص 93.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 01:56 AM   #20
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنبة في السودان الحلقة الأولى



الحلقة (15)

المؤسسة العسكرية بين الذات القبلية والقومية:
لقد كان ينظر إلى المؤسسة العسكرية كجسم قومي فوق الخلافات القبلية والإقليمية والطائفية ، وأن من أهم أدوارها المحافظة على الوحدة الوطنية . ومن هذا المنطلق أصبحت الانقلابات العسكرية تقليداً سائداً في هذه الدول مع بروز الأزمات السياسية والنزاعات الحزبية والتوجهات الإقليمية. ومن هذا الفهم وجدت الانقلابات العسكرية رواجاً كبيراً إثر الانتكاسات السياسية التي شهدتها دول العالم الثالث بعد مرحلة الاستقلال. وبالفعل شهدت المنطقة العربية وأفريقياً انقلابات عديدة في مراحل ما بعد التحرر السياسي اتسمت معظمها بأيديولوجيات اشتراكية . يقول محمد محجوب عثمان في ذلك بأن المفكرين السوفييت لعبوا دوراً أساسياً في استنهاض الجيوش في العالم الثالث لتسلم السلطة السياسية انطلاقاً من فهم سوفيتي مستند على تحليل طبقي للجيش يصنف الجنود والرتب الصغرى للضباط ضمن فئات المثقفين الثوريين من ذوي البزة العسكرية . فاعتمدوا عليهم في إحداث التغيير الراديكالي في وقت لم يعد النمط الكلاسيكي للثورة البلشفية قابلاً للتكرار تحت ظروف العالم المعاصر وفي تلك البلدان التي تتميز بميوعة الخطوط بين الطبقات الاجتماعية . ويقدم محجوب أمثلة على ذلك في حركة الثورة الكوبية وتجربة الجزائر التي قادها هواري بومدين وفي حركات التيارات البعثية التي قادها صلاح الجديد وأحمد حسن البكري(12). ورغم ما تتسم به وجهة النظر هذه من وجاهة ، إلا أن بعض هذه الانقلابات العسكرية التي أوردها كانت بعيدة عن الراديكالية التي يتحدث عنها السوفيت . كما اتخذت بعض هذه الانقلابات المنحى الاشتراكي نتيجة لظروف سياسية معينة .
من جهة أخرى يقدم مايرون فينر(M.Weiner) تحليلاً يعبر من وجهة نظره الخاصة عن دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والاقتصادية في كل من آسيا وأفريقيا في مراحل ما بعد الاستقلال السياسي. ويجري مقارنة بهذا الصدد بين طبيعة المؤسسة العسكرية في كل من القارتين ويقول إن المؤسسات العسكرية في أفريقيا ضعيفة ولا تشكل قوة بريتورية منضبطة وبمعنى أنها تفتقد روح الفريق والتجانس والإندماج، وأن ارتباطها بالقبائل والجماعات العرقية والقرابية والزمر ليست أقل من ارتباط القوى الاجتماعية الأخرى في الدولة بهذه الجماعات . وهي ليست ملزمة في الدول الأفريقية بمسألة بناء الدولة والاقتصاد لأنها تعيش على الدولة وليست من أجل الدولة . ويعزي تكرار الانقلابات في أفريقيا إلى طبيعة النظم السياسية التي تفتقد المؤسسات السياسية الفعالة . أما عن طبيعة المؤسسة العسكرية في دول آسيا والشرق الأوسط، فإنه يراها مؤسسة بيروقراطية راسخة قبل بداية التوغل الاستعماري وتعززت بعامل الاستعمار. لذلك فهي أكثر احترافاً وانضباطاً من المؤسسة العسكرية الأفريقية. كما وأنها أكثر انخراطا ًفي المجالات الاقتصادية عن رصيفاتها في أفريقيا .هذا ما تؤكده المؤسسات العسكرية في كل من تايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وذلك من خلال قيامها بدور إيجابي في بناء اقتصاديات هذه الدول وبممارستها نوعاً من السيطرة التسييرية المباشرة على بعض القطاعات الاقتصادية العامة. ويرد فينر الاستقرار السياسي الذي ساد في هذه الدول في فترات معينة ، وعلى النقيض من معظم الدول الأفريقية، إلى انخراط المؤسسة العسكرية وتدخلها في إدارة الاقتصاد، وحرصها على الحفاظ على أوضاعها في ظل حكومات مستقرة غالباً ما تكون حكومات اوتوقراطية . فنجد دولاً مثل بورما وتايوان وإندونيسيا لم تتعرض لمسلسل الانقلابات المتكررة(13). إلا أن مما يلاحظ علي هذا التحليل أنه يتميز بنوع من العمومية غير الدقيقة. فالمؤسسات العسكرية الأفريقية ليست كلها ضعيفة وغير منضبطة. كما وأن المؤسسة العسكرية في بعض البلدان مثل مصر وتونس وإلي حد ما السودان وكينيا وتنزانيا تتسم بالقومية أكثر من ارتباطها بجماعات فئوية معينة . كذلك فإن انخراط القوات المسلحة في إدارة الأعمال الاقتصادية ليس سبباً كافياً للحد من طموحاتهم السياسية للحفاظ علي سلطة مدنية قد تكون اوتوقراطية . ولن يكون ذلك سبباً كافياً في عدم تكرار الانقلابات في أي دولة. ومثلما تتكرر الانقلابات العسكرية في أفريقيا فإنها تكررت في آسيا والشرق الأوسط .
كما وأن وجود حكم اوتوقراطي لا يمنع العسكريين من التورط في السلطة السياسية بانقلابات وثورات وجدت صداها في أثيوبيا هيلاسلاسي أوفي ليبيا السنوسي أو في أفريقيا الوسطى بوكاسا . لقد كانت هناك أسباب موضوعية في دول العالم الثالث سواء في أفريقيا أو آسيا كانت تستدعي تحرك القوات المسلحة في مرحلة بروز الجيل الثاني بعد الزعماء التاريخيين للاستقلال والتحرر الوطني. ولعل من أهم هذه الأسباب، فشل النظم السياسية المدنية في كبح الصراعات الداخلية واستكمال مسيرة خلق الدولة القومية أو الدولة الأمة . هذا بجانب الطموحات الشخصية لبعض الضباط الشبان الذين يتطلعون إلى بريق السلطة والحكم .
رغم ما أصبغ علي الجيوش من سمات الحياد في الصراعات بين القوميات التي تشكل الأمة ، ورغم ما كان يرجى منها من أهداف في اتجاه تحقيق الوحدة الوطنية وبناء الدولة القومية التي تتسامى على القبلية الضيقة والإقليمية والطائفية الدينية والمصالح الفئوية ، فإنها بدورها لم تعد مؤسسة معزولة عن المجتمع مع اشتداد حدة الصراعات السياسية والنزاعات القبلية والإقليمية والعصبيات الدينية. فانتقلت تناقضات المجتمع إلى داخل المؤسسة العسكرية. ولم يعد الجيش جسماً متجانساً بعد أن تمكن القبليون والإقليميون من اختراق المؤسسة العسكرية . فاصبح الدكتاتور العسكري الذي كان مؤملاً فيه العدالة لا يخلو من سمة حزبية أو عنصرية أواقليمية. هذا ما أفضى إلى سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة ، نتجت عنه الدعوة الملحة إلى عودة العسكر إلى ثكناتها في وقت مازالت الهيمنة الاثنية تدق أبواب السياسة والسلطة والحكم.
الارتهان إلى ضرورة الوحدة الوطنية في الوقت الراهن
إن معظم دول العالم الثالث التي تتشكل في الوقت الراهن من تعدديات متباينة تتميز بخاصيتين تناقض إحداهما وجود الأخرى ومع ذلك تتواجدان جنباً إلى جنب. الخاصية الأولى تتمثل في هيمنة اثنيات معينة على اثنيات أخرى سياسياً واقتصادياً ونزوع الاثنيات المضطهدة إلي الصراع المفضي إلي تهديد شرعية الدولة ووحدتها الوطنية . وتتمثل الخاصية الثانية في الاستمرارية القانونية للدولة التي رسمها الاستعمار رغم نزوع بعض القوميات إلى الانفصال. لماذا لم يتم اقتسام هذه الدول بين الجماعات القومية المتصارعة لتشكيل دول قومية جديدة تستند على العرق المشترك والثقافة واللغة والخبرة التاريخية المشتركة ؟ لقد ظلت هذه القوميات والقبائل والاثنيات تتصارع داخل حدود فرضت عليهم . إن أهل الجنوب يتصارعون مع أهل الشمال في السودان وينددون بصوت عال هيمنة عرب الشمال على السياسة والاقتصاد ولا يتكلمون عن الانفصال إلا على استحياء ومغالبة . ولا يتكلم الاقليميون عن دولة في الطرف الغربي من السودان لها خصوصيتها الإقليمية حين يتحدثون عن الغبن الناتج عن اختلال التوازن التنموي بين الوسط والأطراف ، وعن هيمنة صفوة أهل المركز في مثلث التطور على أهل الأقاليم في صحراء كردفان ودارفور*. ولم يرتفع صوت الأكراد بنبرة صريحة وعالياً لتحقيق حلمهم في وطن كردي ينتزع من العراق وإيران وتركيا. ولم تكن هناك دولة مارونية وأخرى درزية وثالثة شيعية أو سنية في لبنان .ما الذي يجعل البشر الفئويين يتقاتلون حتى الإبادة ويتمسكون ببعضهم في إطار وطن لا ينقسم ؟ وإذا كان الوطن لا ينقسم لماذا لا ينزع أولئك المتصارعون إلى التسامح والتعايش مع واقع صار قدراً ومصيراً ؟ لقد اندلعت المواجهات والحروب الأهلية في السودان وأثيوبيا وزائير وتشاد ونيجيريا وأنجولا وسريلانكا وماليزيا والهند ولبنان وكمبوديا ولاوس وافغانستان وغيرها ، ولم يحدث انفصال ألا في أثيوبيا وماليزيا والباكستان ويوغسلافيا. لقد استمرت هذه الدول دولاً وحافظت على حدودها السياسية رغم عجز بعض السلطات المركزية عن فرض سيطرتها الكاملة على جميع أجزاء الدولة كما هي الحال في السودان والعراق وأفغانستان وكما كانت الحال أبان الحرب الطائفية في لبنان وفي وقت لم تتمكن السلطة المركزية من فرض وجودها خارج مدينة بيروت.
أما الدول التي تمكنت من فرض هيمنة كاملة علي أقاليمها وتنوعاتها القبلية والاثنية ، فقد تمكنت من ذلك ومن وجهة نظر فينر لعاملين ؛ أحدهما داخلي والآخر خارجي .
يتمثل العامل الداخلي في تخصيص السلطات المركزية موارد ضخمة لتحديث الآلة القتالية لقمع الحركات الانفصالية كما فعلت نيجيريا في أحداث بيافرا والباكستان في منطقة البلوشستان. ويتمثل العامل الخارجي الذي ساعد في استمرارية هذه الدول رغم الصراعات الانفصالية ، في الاعتراف الدولي بالحدود السياسية لهذه الدول والتزام المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول(14).
العامل الأول يبدو ممكناً في حالات استثنائية كما كانت الحال في المواجهات العسكرية بين الجماعات النيجيرية المتصارعة في بيافرا . إلا أنه هناك حالات أخرى من التمرد السلبي الذي لا يعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة وقد يكون قوامه العصيان المدني أو نوع من حرب العصابات التي تتطلب حلولاً أخرى غير الحلول العسكرية المباشرة . فقد توصلت دول كثيرة من دول العالم الثالث إلى صيانة وحدتها الوطنية عبر المفاوضات المباشرة بين الجماعات المتصارعة أو عبر وساطات دولية للوصول إلى اتفاقيات تضمن سلامة التعايش بين هذه الجماعات. ولعل في اتفاقية أديس أبابا التي وقعت بين الأطراف المتصارعة في السودان والتي أوقفت الصراع المسلح لفترة معينة ، ما يدل على صعوبة الوصول إلى السلام عبر القوة المسلحة وحدها .أما العامل الثاني والذي يشير إليه فينر بالعامل الخارجي المتضمن لمبدأ عدم التدخل في شئون الداخلية للدول الأخرى ، لم يعد معياراً صحيحاً مع التدخل السافر للدول الغربية في الشئون الداخلية لدول العالم الثالث بحجة صيانة حقوق الإنسان وذلك في ظل القطبية الأحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز نظريات العولمة التي لم تكن قد تبلورت معالمها حين كتب فينر تحليله في عام 1987 .
مما تقدم ، نستطيع أن نتبين ملامح الهوية الفئوية في بعض دول العالم الثالث وفي نموذج الدولة السودانية كما يلي:
- معظم دول العالم الثالث التي تشكلت بفعل الاستعمار وحسب أهدافه الإستراتيجية تعبر عن حدود إدارية أكثر من تعبيرها عن حدود تقوم على أساس الانتماء القومي المعبر عن وحدة العرق واللغة والتاريخ المشترك . لذا تتضمن هذه الدول كيانات عرقية واثنية وثقافية متباينة .
-هذه الدول استمرت كوضع قائم واكتسبت الشرعية الدولية رغم وجود صراعات داخلية بين مكوناتها الاثنية المتصارعة أحيانا والمتصالحة أحياناً أخرى . يعزي استمرارية هذا الدول رغم وجود الصراعات الانفصالية والتوجهات الإقليمية التي تهدد وحدتها الوطنية إلي أسباب منها :
أ/ القوة القمعية التي تستخدمها الجماعات المهيمنة لإخضاع الجماعات الانفصالية.
ب/ تهميش الأقليات الاثنية ذات النزعة الانفصالية وتوجيه التفضيلات والامتيازات الاقتصادية والتعليمية إلى أفراد الجماعات المهيمنة ، لضمان السيطرة الكاملة على الجماعات الانفصالية بخلق مثل هذا التفضيلات والامتيازات التي تفرض تبعية الجماعات المهمشة للجماعات المهيمنة. نجد أمثلة علي ذلك ؛ لدى الملاويين في ماليزيا،السنهاليين في سري لانكا ، البنجابيين في الباكستان، الجاويين في اندونيسيا ، العرب في موريتانيا والسودان، الأمهرة في أثيوبيا .
ج/ الاعتراف الدولي بسيادة الدول ، وسيادة مبدأ عدم التدخل في شئونها الداخلية.
د/ المفاوضات التوفيقية بين الأطراف المتنازعة والتي من شأنها أن تؤدي إلى نوع من المصالحة الوطنية .
ه/ العمليات التدريجية المؤدية إلى التقارب والاندماج بين المجموعات المتصارعة.
- تمارس بعض هذه الدول الهيمنة السياسية من منطلقات دينية بعد انهيار التوقعات القائلة بأن العلمانية ستؤدي إلى تراجع الأيديولوجيا الدينية كقوة سياسية ، وذلك إثر انبعاث الصحوات الدينية في كثير من هذه الدولة ؛ الصحوة الإسلامية في إيران، الإسلام السياسي في السودان ، الانبعاث البوذي والكنفوشسية في شرق آسيا ، صحوة الجماعات المسيحية في أمريكا اللاتينية والفلبين ، الأحزاب الدينية في إسرائيل(15).
- وصول بعض الجماعات الدينية إلي السلطة يؤدي إلي صراع الهويات الدينية في المجتمع وربط الدولة بالدين كنتاج ثقافة قائمة على مبدأ عدم الفصل بين الدين والدولة. وحيث يري البعض أن الدولة لا تتمأسس في مجتمعات متسمة بهيمنة دينية ترفض الفصل بين الزمني والروحي، وأن ما يصح على الديني يصح أيضاً على المكونات الأخرى لكل ثقافة(16). والمأسسة التي يفتقدها بعض هذه الدول ، ضرورة للحصول علي الشرعية الشعبية المؤكدة لمقاومة البيروقراطيات التي تنحصر مهمتها في بعض هذه الدول على صون وإعادة إنتاج نخبة سياسية تحتكر السلطة وقوام الثروة(17) .
- أزمة الممارسة الديمقراطية مع غياب المشاركة السياسية الواسعة في بعض البلاد التي تسودها التعدديات تؤدي إلى ضعف الذاكرة الجماعية وتعيق نمو الوعي التكاملي بين الجماعات التي تشكل مجتمع الدولة .
من مجمل ما تقدم ، نستطيع أن نتبين ملامح السلوك الفئوي وحالة القبلية في السودان . وكما تبين لنا لس هناك ما يؤكد تطور ذات قبلية في الحضارات السودانية القديمة . فقد ظهرت الذات القبلية بعد دخول العرب المسلمين السودان كجنين جديد وفي أطر مختلفة عن صورة القبيلة في مجتمعات اللادولة . تقولبت إلى واقع في عهد الدويلات والسلطنات الإسلامية السودانية . بدأت في التحلل والذوبان في حقبتي التركية والمهدية . بعثت من جديد مع الحكم الثنائي في روح الإدارة العشائرية . ترعرعت في ظل الإقطاعية العشائرية . تراجعت مع الحركة الوطنية التحررية . استوت مع عدم قدرة الأحزاب السياسية من تحرير نفسها من اللغة القبلية والطائفية . تطل برأسها مع نمو الوعي الإقليمي بالغبن من تسلط الوسط الاقتصادي والسياسي . والمأمول أن تتراجع مع ضرورات الارتهان القومي في الظرف التاريخي لعالم اليوم ، لينبري التضامن والانسجام على مستوى الأمة السودانية ويكون الخلوص للوطن الواحد .
ويبقى السؤال كيف يمكن خلق التوجهات القومية الإيبجابية نحو السودان الأمة؟ إذا كانت إعادة كتابة وقراءة تاريخ السودان بصورة جديدة واحدة من مناهج ترقية الذات السودانية من إطارها الجهوي، فإن هناك مناهج أخرى نأمل تناولها في الحلقات القادمة




 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 02:59 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
         سعودية هوست للاستضافه والتصميم والدعم الفني


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة 2007م-منتديات أبناء جزيرة بدين -/ الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع بل رأي كاتبها