قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الثالثة - منتديات أبناء جزيرة بدين

 

 



 عدد الضغطات  : 7213

 عدد الضغطات  : 6984



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
#1  
قديم 08-19-2010, 01:17 AM
Image Hosted by
د. عبدالوهاب الزين غير متصل
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل : Dec 2008
 فترة الأقامة : 3925 يوم
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم : 14
 معدل التقييم : د. عبدالوهاب الزين is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الثالثة



العامل الديني :
ينظر البعض إلى الدين على انه علاقة بين الإنسان مع هو فوق الطبيعة الإنسانية، وأن التجربة الدينية مسألة فردية لا تؤثر في الكل الاجتماعي . مثل هذه النظرة " تقلل أو تتجاهل وربما ترفض الجوانب السوسيولوجية للدين . إلا أن الدين كنسق اجتماعي يدخل في علاقات تفاعلية مع الأنساق الاجتماعية الأخرى داخل المنظومة الكلية للمجتمع (15) ويعمل الدين كثقافة فرعية مثله مثل اللغة على تحديد هوية جماعة معينة .إلا أنه يختلف عن اللغة في تأثيره على الجماعات الثقافية أو العرقية : فقد تكون اللغة أشمل في تأثيره على تحديد الهوية للجماعة الثقافية كما هي الحال مع العرب المسلمين والمسيحيين في لبنان والذين تجمعهم اللغة العربية وتفرقهم الدين .وفيما يعتبر كل من العامل الديني والعامل اللغوي عاملين منفصلين من خيوط الثقافة إلا أنهما يرتبطان ببعضهما ببعض الأسباب . العامل الديني قد يعمل على انتشار اللغة في أوساط مجموعات لغوية جديدة تعتنق دينا موحى بلغة غير لغة المعتنقين الجدد كما كان الحال عندما أعتنق المحليون السودانيون الدين الإسلامي .
كثير من الدول تعلن عن هويتها الدينة . فنجد الديانة البوذية هي دين الدولة في مينمار ولاوس وتايلاند بينما نجد اندونيسيا ذات الغالبية الإسلامية تعترف بخمس ديانات رسمية . بعض الدول الأخرى لا تعلن عن هويتها الدينية فحسب ، بل يرتبط أسمها بهذه الهوية وتعلن في دساتيرها عن دينها الرسمي . وقد تكون الممارسات السياسية والمعاملات الاقتصادية على هدى من دينها المعلن كما هي الحال في جمهورية إيران الإسلامية .
إن العامل الديني يعتبر من العوامل الهامة في إلهاب المشاعر القومية في الدول التي تتمتع بوحدة العقيدة الدينية . إذ أن العصبية الدينية في مثل هذه الدول تزيد العصبية الوطنية قوة . وإذا كان في أمة ما عصبية قومية " تجانس قومي " ونشأت فيها دعوة دينية ، فإن تلك الدعوة تزيد من عصبيتها القومية (16) . مما يؤكد ذلك ، التجارب التاريخية لحركة الديانة المسيحية بمذاهبها المختلفة والتي أثرت في الانقسامات القومية كما هي الحال في قيام كل من الفرنسيين الكاثوليك والفرنسيين البروتستانت بذبح بعضهم البعض في القرن السادس عشر الميلادي وفي الصراع البروتستانتي الكاثوليكي بين إنجلترا وايرلندا ..
مثلما أدت المذاهب المسيحية إلى كثير من الصراعات الدينية ، كان للدين الإسلامي دور بارز في ظهور بعض الدول القومية وانفصالها عن دول غير إسلامية .فقد انفصلت دولة الباكستان عن الهند بعد جلاء الإنجليز من شبه الجزيرة الهندية عام 1947 وإثر الحركة التي قادها محمد إقبال عام 1948 م .
ومثلما يكون للعامل الديني أثره الفعال في التضامن القومي في الدول أحادية العقيدة ، فإن الدول متعددة الديانات غالباً ما تعاني من صراعات دينية تهدد وحدتها الوطنية ما لم تتخذ تلك الدول ترتيبات تكفل تصالح الديانات وتعايشها في ظل التسامح الديني . ولا أدل على تصارع الديانات داخل الدولة الوطنية من التجربة اللبنانية وصراع الديانات في يوغسلافيا والصراع ما بين أرمينيا وأذربيجان في الاتحاد السوفيتي سابقا، والصراع المسيحي الإسلامي في الفلبين ،وبين البوذيين والهندوس في سريلانكاً . وباسم الدين وحسب معتقداتها ومواقفها من ديانات المجتمع الأخرى وفي وقت يصعب معه خلق كيان قومي خاص ، اعتزلت بعض القبائل عن المجتمع الدنيوي ومارست حياتها بطريقتها الخاصة كما هي الحال مع الأميش الأمريكيين وغيرها من المجتمعات القبلية الدينية الصغيرة .
السودان من جانبه ، كدولة تتعدد فيه الديانات ، لا يخلو في توجهاته القومية من التأثيرات المختلفة للعامل الديني . وفي هذا الإطار قدم عون الشريف قاسم دراسة عن الدين والوحدة الوطنية أكد فيها أن الدين الإسلامي الذي جاء معبراً عن مرحلة وحدة البشر، يحارب كل الدعوات التي تفرق بين البشر على أساس الدين أو العرق أو المركز الاجتماعي، ويعمل على تلاقح الثقافات وتمازج الأجناس والأعراق . ويري أن الإسلام يتحدث عن القومية الإسلامية التي تحقق للمجموعة المحلية التوحد في إطار موضعها الجغرافي والثقافي دون إلغاء لشخصيات الشعوب و موروثاتها الإنسانية ومعطياتها التاريخية والحضارية ما لم تصطدم هذه المعطيات بمبادئها الأساسية ومع الذوق العام والخلق والمنطق . والإسلام بمزجه بين الدين والدنيا يحدث ثورة في طبيعة الفرد وفي طبيعة الجماعة ، يكتسب من خلالها الفرد الطبيعة الجماعية بحكم ما ترسب في ضميره من قيم الدين التي هي في جوهرها قيم الجماعة، "فارتقى بذلك إلى مرتبة (الفرد – المجتمع ) أو ( المواطن- الدولة) الذي هو جماعة في فرد ودولة في ضمير مواطن(17)). ويرى في السودان الحديث نموذجاً للرابط العضوي بين الإسلام وبين فعالية الشخصية القومية بما يمتاز به السودان من سمات بشرية جعل منها الإسلام متكافئة بغض النظر عن الأعراق والألوان(18).
ليس من شك في أن الدين الإسلامي كان له دور فاعل في جمع كلمة السودانيين المسلمين في بوتقة واحدة . ولاشك في أن الإسلام الصوفي والطرق الدينية التي انتشرت في السودان كان لها دور فاعل في التمازج القومي وهدم بنية التعنصر القبلي والإقليمي في السودان الشمالي المسلم . ولا شك في قناعة المسلمين بتعاليم الإسلام وبمبادئه السامية التي أوردها الباحث في دراسته حيال وحدة الإنسانية ولا يبقى سوى قناعة الآخرين من غير المسلمين الذين يشاطرون الوطن ، بهذا الدور للديانة الإسلامية . المثقفون الجنوبيون يتوجسون من الإسلام السياسي الذي يبرر- كما يزعم فرنسوا بورجا - استعمال العنف ضد النظم السياسية التي تحرمه من الوصول إلى الساحة السياسية الشرعية(19). ويرى رافائيل ك. بادال أن الإسلام كدين غالبية في الشمال يمكن أن يوفر في الظروف المواتية الإحساس السياسي بالجماعة الأمة ، ويمكن أن يلعب دوراً كبيراً في التغلب على فجوة الجماهير – النخبة مما يساعد على صياغة الدولة القومية . إلا أنه يرى في الشريعة الإسلامية إشكالية أساسية تكمن في كيفية المواءمة أو التسامح مع الأقلية السكانية المركزة في الثلث الجنوبي من البلاد . ويرى أنها تتحيز في مجال الحريات المدنية وحقوق الإنسان ضد النساء وغير المسلمين . وفي هذا الصدد يستلهم بادال آراء بعض الباحثين المسلمين من أمثال عبدالله النعيم ليؤكد أن غير المسلمين من أهل الكتاب لا يتمتعون في ظل الدولة الإسلامية المحكومة بالشريعة الإسلامية إلا بحقوق أهل الذمة , وأن غير الكتابي لا حقوق له إلا تحت رخصة الأمان التي قد تمنح للمبعوثين والتجار مما يجعل وجودهم التاريخي في بلدان المسلمين من إملاءآت المواءمة السياسية(20).
إن النخبة الجنوبية المتأثرة بالثقافة الكنسية ، لم يكتبوا عن إمكانية تفاعل الإسلام مع المعتقدات الشعبية الأفريقية على غرار ما كان يكتبه الزنجي الكاريبي المسيحي إدوارد ويلموت بليدن الذي انتمى إلى ليبيريا وطن المحررين العائدين إلى الجذور في أفريقيا . إن كتابات بليدن التي نشرها عام 1887 م في كتابه " المسيحية والإسلام والعرق الزنجي " تؤكد على القوة التوحيدية التي يعكسها الإسلام وقدرته على رسم مجتمع عادل وديمقراطي . لقد كان بليدن المسيحي المنجذب إلى الهوية الثقافية العربية الإسلامية ، يبدي خيبته في الارساليين الأوربيين في أفريقيا ويعبر عن إعجابه بدور الإسلام كدين لا يحمل سموم العنصرية Islam does not contain racial poison ، ويقول أن التوجه الإسلامي قد تم تعديله بشكل كبير في أرض الزنج (أفريقيا) لا بطريقة تحط من قدره لتتواءم مع الوثنية الأفريقية ، ولكن بإعادة صياغة التقاليد المحلية حتى تتواءم طبيعة الإسلام المتسامحة مع الروح التصالحية التي تعتبر من سمات الزنوج الأفارقة (21). وعندما ينظر للإسلام من غير المسلمين في السودان من الزاوية التي ينظر منها بليدين وأمثاله ، لن يشكل الإسلام عندئذٍ عائقاً في تكامل القوميات السودانية بقدر ما يكون عاملاً من العوامل التي تعزز الوحدة الوطنية .
العامل الاقتصادي :
يختلف الباحثون في وجهات نظرهم حول أهمية العامل الاقتصادي في تدعيم الوحدة القومية أو تشتيتها . فالماركسيون يعولون على العامل الاقتصادي كمحرك أساسي لمسيرة التاريخ ووقائعه ، ويعتبرون الحركة القومية مرحلة تاريخية من مراحل التطور نحو الأممية الناتج أصلاً من جدلية الصراع حول امتلاك وسائل الإنتاج . من جانب آخر ، يرى البعض في بعض التجارب التاريخية تعليلاً على أولوية العوامل الأخرى كاللغة والدين والعرق على العامل الاقتصادي في قيام الدول القومية . فنجد هارولد لاسكي يرى أن القومية ليست متوقفة على العامل الاقتصادي ، بل هناك عوامل أخرى محركة للقومية وطاغية على العامل الاقتصادي. ويرى في تفكك الإمبراطورية النمساوية – المجرية تضحية بالمصالح الاقتصادية، وانتصاراً لعوامل موضوعية أخرى كالعرق والثقافة(22). ولعل ما يؤكد مثل هذا الزعم تضحية بعض الأقليات القومية بالمقومات الاقتصادية الضخمة التي قد تتمتع بها في ظل دولة متعددة القوميات كما هي الحال في التجربة الانفصالية للقوميات المختلفة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ونضال الكويتيين لأسباب وطنية ليست من ضمنها وحدة الأصل أو العامل الاقتصادي للحفاظ على استقلال الدولة بعيداً عن الهيمنة السياسية لجمهورية العراق .
على النقيض من وجهة نظر لاسكي ، نجد لدى هول كين (Hal Kane) ما يؤكد أولوية العامل الاقتصادي على العامل العرقي . يذهب كين إلى أن الصراع الذي يدور بين التوتسي والهوتو صراع اقتصادي في المقام الأول . مجموعة التوتسي كانت مميزة أكثر من الهوتو خلال فترة الاستعمار بتفضيلات اقتصادية وتعليمية .ويقول أن المجموعتين ليستا مجموعات اثنية بقدر ما ترتبط التسمية بالخلفية الحرفية لكل . تاريخياً فيما تقابل كلمة التوتسي مالك الماشية ، فإن كلمة الهوتو تقابل كلمة المزارع . ورغم أن المجموعتين تشركان في اللغة واحدة ولهما ديانة مشتركة ، بجانب عمليات المصاهرة التي تتم بين المجموعتين ، فقد اندلعت بينهما واحدة من أشرس الحروب الأهلية في أفريقيا بسبب الخلافات الاقتصادية .تلك الخلافات التي تحولت فيما بعد إلى استياء طبقي بين الفقراء والأغنياء أدى بدوره إلى مذابح بين الطبقتين الاقتصاديتين داخل كل مجموعة على حدة(23)..
كذلك نجد الباحث الاقتصادي السوداني ، محمد هاشم عوض يستعرض في دراسة له ، العديد من الأمثلة المعاصرة التي تؤكد أهمية العامل الاقتصادي كدافع لنزوع بعض الأقليات التي تتميز مناطقها بنصيب وافر من الثروة القومية ، إلى الانفصال عن الدولة الأم . من هذه الأمثلة ، الحركة الانفصالية التي قادها الجنرال أوجوكو عام 1967 م في بيافرا ضد هيمنة الهوسة والفلاتة على مواردهم النفطية. وكذلك حركة الأكراد في شمال العراق للمطالبة بأنصبة عادلة من عائدات النفط الذي يتركز في مناطقهم . وبأسباب من تركز المعادن في منطقة كاتنجا من زائير، سعت المنطقة إلى الانفصال , ونجمت عن هذا المسعى حرب أهلية أدت إلى مقتل باتريس لوممبا وتعيين تشومبي رئيساً للوزراء(24). إلا أن تجربة السودان في رأيه ، تختلف عن تلك النماذج رغم أنها قد تتجسم في السودان بعد اكتشاف النفط في بانتيو . ويرى أن المشكلة الأساسية في هذا الصدد ، تكمن في تركيز التنمية الاقتصادية في أواسط السودان وحرمان الأطراف من التطور الاقتصادي الموازي ، وفيما نجم عن ذلك من تأثير سلبي على الوحدة الوطنية . ويرد الباحث مرتكزات الفوارق هذه ، إلي السياسية الاستعمارية التي كرست مقومات الاقتصاد السوداني لخدمة أهدافها الاقتصادية الخاصة(25). لتحقيق هذه الأهداف توسع الاستعمار في زراعة القطن في أرض الجزيرة ودلتا القاش. كما عمل على ربط مناطق إنتاج القطن بشبكة المواصلات الحديدية إلى بمواني التصدير ببورتسودان ووادي حلفا . وبالمثل مد هذه الشبكة بمناطق إنتاج الصمغ العربي بكردفان (26). ولأهداف سياسية تضمن ولاء بعض القطاعات السكانية ، وتكرس مبدأ "فرق تسد" ، عمدت السياسة الاستعمارية إلى خلق طبقة موسرة من زعماء العشائر والزعماء الدينيين ، وخلق إقطاعيات زراعية محلية وأجنبية ترتبط مصالحها بمصالح الاستعمار القائم(27).
يناقش الكاتب استمرار سياسة التمييز الاقتصادي في مرحلة ما بعد الاستقلال ، ويقول أن حكومة عبود جعلت من سياسة التركيز على المناطق الأكثر تطوراً وتحديثاً في أواسط السودان مبدأً أساسيا في تنفيذ الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأعوام 1961-1971. فجاءت الاستثمارات في منطقة الوسط باستكمال امتدد المناقل ومشروع خشم القربة مع توجيه نسبة ضئيلة من الاستثمارات وبما لا تتجاوز مبلغ 3.3 مليون جنيهاً سودانياً من جملة 565 مليون جنيها المعتمدة للخطة لتنمية أطراف البلاد في شكل إنشاء بعض المصانع في مناطق متفرقة كإنشاء مصنع البصل في كسلا والكرتون في أروما وتعليب الفاكهة في كريمة و واو والألبان في بابنوسة (28). ويرى الباحث أن أول محاولة جادة في إطار تحقيق التوازن التنموي بين أقاليم القطر وتعزيز العدالة الاجتماعية وتوطيد الوحدة الوطنية ، كانت ضمن دراسات وقرارات الهيئة القومية للتخطيط التابعة للاتحاد الاشتراكي التي تقدمت بها في يناير 1976. إلا أن الخطة السداسية للتنمية الاقتصادية للأعوام 1977-1983 جاءت مغايرة لما جاءت بهذه الدراسات وتبنت السياسة المعروفة باستراتيجية "رأس الرمح "في التنمية وبحيث تم تركيز التنمية في الوسط في مشروع الرهد ومصانع السكر في عسلاية وكنانة(29).
من هذه الدراسة التي قدمها محمد هاشم عوض ، نستطيع أن نؤكد على دور العامل الاقتصادي وأهميته كعنصر موضوعي في البناء القومي وتدعيم الوحدة الوطنية متى ما كان مبنياً على أسس عادلة بين الأقاليم المختلفة . وأن التنمية الاقتصادية في السودان شابها كثير من التحيز الإقليمي الذي نجمت عنه صراعات وأحقاد اجتماعية تمخضت عنها حركات إقليمية ذات طابع سياسي كحركة الأنيانيا في الجنوب ، ومؤتمر البجا في الشرق ، وسوني في الغرب ، وجبهة نهضة دارفور ، واتحاد عام جبال النوبة . وما لم يعاد النظر في السياسات التنموية وبما يكفل التوزيع العادل لكل أقاليم السودان ، ستظل المشاعر القومية والإحساس بوحدة الوجدان الوطني في السودان ، محفوفة بمخاطر التوجهات الانفصالية التي تهدد الوحدة الوطنية والتكامل القومي . وما لم يحدث تغيير جذري في سياسية تسخير الثروات القومية لخدمة مثلث الوسط إلي تعميمها لخدمة كل السودانيين ، ستظل الأحقاد والإحن من المؤشرات الكامنة في توجهات الأطراف نحو المركز . وقد يزداد الأمر سوءاً عندما يتم تدويل مثل هذه المشكلة ويتم ربطه بقضايا حقوق الإنسان ويستدعي نوعاً من التدخل الخارجي . وفي هذا الصدد وضمن دراسة حديثة لمايكل رنر (2002) ، نجده يؤكد مثل هذا التدخل الخارجي. يرى رنر أن كثيرًا من الصراعات الداخلية والحروب الأهلية تربط بشكل ما بمسألة الموارد الاقتصادية وهيمنة قطاعات سكانية معينة عليها ، وتوجيها لتسليح نفسها ضد القطاعات الأخرى التي تطالب بأنصبة عادلة في هذه الموارد .وهذه العملية حسب رأيه ، نهب غير مشروع يقول رنر أنه في عالم ما بعد الحرب الباردة ، أصبحت الصراعات على الموارد الاقتصادية بديلاً عن الصراعات الأيديولوجية وتربط في كثير من الحالات بالطموحات الخارجية (30).
إن ما تقدم من تحليل يؤكد أهمية العامل الاقتصادي في معالجة التكامل القومي ، إلا أننا نصر على أنه ليس كافياً لخلق الانسجام النفسي بين التعدديات المتنازعة . إن العدوات القبلية والجهوية قد تكون مصدرها الفوارق الاقتصادية ، إلا أن المساواة الاقتصادية وما يتبعها من عدالة في توزيع الثروة ، قد تؤدي إلى مزيد من العدوات في ظل سيادة مفاهيم التفوق والاستعلاء المرتبطة بالأنوية والنرجسية العرقية والقبلية . يقول برتراند راسل أن هناك مشاعر غريزية تخلق العدوات بين الأعراق وتربط المشاعر بالخوف من كل ما يهدد استقرار نظم العلاقات القائمة (31). إن مطالبة المستضعفين اقتصادياً بالعدالة والمساواة مع المهيمنين على الثروة ، لا يعني بالضرورة زوال العداوة بين الطرفين . ولا يعني تحقيق هذه المطالب بالضرورة شيوع المحبة والتآلف والانسجام بينهما . إن البيض في الولايات المتحدة أصبحوا أكثر عدوانية تجاه السود عندما طالب السود بتحقيق المساواة بينهم وبين البيض(32) وقد يحدث في الحالة السودانية أن يتحول الشمال إلى ممارسة نوع من العدوانية تجاه الجنوب ما لم يتم الاعتراف بالمساواة الكاملة بين الطرفين ويقتنع الطرفان بهذه المساواة ويكون سلوك الأفراد في كل جانب على هذا الأساس .
العامل العرقي :
رغم ارتباط كثير من الحركات الانفصالية بالعامل العرقي ، إلا أن الحديث في الدول المعاصرة عن وجود عرقية نقية بخصائص بيولوجية وعلى غرار ما يذهب إليه الفيلسوف الألماني فيخته من وجود نقاء عرقي للشعب الآري ، لا يعكس واقعاً حقيقياً مع تداخل الأعراق واختلاط الدماء نتيجة لعوامل تاريخية عديدة . وغالباً ما يشـار بالعرقية إلى عدد من السمات المشتركة ذات الصلة بعامل القومية كاللغة والدين والثقافة المشتركة(33).فيما يختص بتأثير العامل العرقي في بنية التكامل القومي في السودان يميز الباحث شريف حرير في دراسة له عن "تراجع القومية وانبعاث الاثنية في دارفور" موقفين: الموقف الأول يمثله المستعربون المسلمون في الوسط ، بينما يمثل الموقف الثاني المسيحيون من ذوي الثقافة الكنسية الأوربية من أبناء الجنوب . ويرى أن التقسيم بين العرقية العربية والأفريقية، لا يمثل الحقيقة في السودان الذي يضم أكثر من 570 مجموعة قبلية . ويستبعد وجود خط فاصل بين العرقية العربية والأفريقية في ظل وجود هرم اجتماعي وتباينات لغوية داخل هذه المجموعات. فهناك داخل المجموعة العروبية تصنيفات ، عل سبيل المثال ،ما بين عرب الوسط وعرب البقارة في غرب السودان . ورغم إيمانه بعدم وجود فاصل واضح بين العرقية العربية وغيرها ، إلا أنه يتمسك بوجود إشارات مبهمة تقوم علي سلوك عرقي داخل المجموعات التي تنتمي إلى الأصول العربية والتي ترى الآخرين من الأصـول الزنجية مجرد رقيق . ويرى أن كلمة "العبد" المرتبطة بثقافة الرق ، ما زالت متداولة في أوساط العروبيين رغم الضوابط القانونية(34). ولعل الباحث قد أصاب شيئاً من الحقيقة التي لا يمكن تعميمها في الوقت الذي لا يمكن إنكارها جملة . فهي موجودة في أوساط البعض وتستوجب تنشئة وتربية قومية تستهدف اقتلاع مثل تلك التوجهات من جذورها الاجتماعية والنفسية . من جانب آخر ما زال لفظ " العبد" يرتبط في أذهان بعض أبناء الجنوب بتجارة الرقيق وتوجساتها. وفي هذا الشأن يقول الباحث عبد الله على إبراهيم أن الجنوبيين سيقاومون كل ما يجعلهم يتبنون النسبة العربية بجانب نسبتهم الأفريقية . إذ أن لهم محاذير كثيرة حيال عرب الشمال تبدو في دلالات الازدراء التي تجري بها كلمة "عربي" على السنتهم " وأنهم يفضلون أن يحزم العرب حقائبهم ويقطعوا البحر الأحمر(35)".
وفي السياق نفسه يقول الباحث السوداني عبد الله بولا في رده على شعراء مدرسة " الغابة والصحراء" *الذين اتخذوا من أطروحة الأفروعربية في السودان مدخلاً لأجندتهم التصالحية بين الشمال العروبي والجنوب الأفريقي واتخذوا من العودة إلى سنار رمزاً للتكامل العروبي الزنجي في السودان .أن أطروحة الهجنة العربية الأفريقية التي ترمز إليها العودة إلى سنار فيها مجافاة لواقع التاريخ وحقائق الواقع التجريبي في مملكة سنار التي لم تخلو من أسواق لتجارة الرقيق حسب الوثيقة التي أوردها أبوسليم وسبولدنق وحسب الإشارات الموجودة على صفحات كتاب طبقات ود ضيف الله .ويورد إشارات صريحة وغير مبهمة لكلمة العبد المرتبطة بالجنس الزنجي في مجتمع سنار . وبهذا الصدد يشير إلى مواقف للشيخ حمد النحلان الذي لم يمنعه زهده وتصوفه من أن يأخذ بمعايير أهل زمانه من أحكام القيمة المسيئة وأقصاها أن يكون الإنسان عبداً مطلوقاً لا سيد له ويرى أن وضعية العبد المطلوق الذي لم يعرف تجربة العبودية الفعلية هي صفة تخص بها ثقافة أولاد العرب في السودان الزنوج لمجرد أنه من عرق زنجي مما يجعل من الزنجي عبداً بمحض طبيعته . ويرى أن ملوك سنار أنفسهم وإن كانوا زنوجاً بأعراقهم ، فقد كان وعيهم عروبياً لدرجة أنهم انتحلوا لأنفسهم نسبًا عربياً قرشياً أموياً هذا بجانب أن مثل هذا الطرح تجرد أجندة المشروع المقترح من مجال لمشروعية الاختلاف ثم البقاء ضمن الوطن الواحد (36). إلا أنه ورغم ما كان يسود في المجتمع السناري من ثقافة الرق التي أشار إليها الباحث ، فإنه من المشكوك فيه أن شعراء مدرسة الغابة والصحراء ذهبوا أبعد من تصوير مملكة سنار بوتقة جمعت مختلف القبائل السودانية في تحالف مبكر وقامت على رباط تحالفي وثيق بين عرب العبدلاب والفنج ، وتأسست على يد عمارة دنقس الذي يرمز الاسم الأول إلى النسب العربي فيما يرمز الاسم الثاني إلى النسب الأفريقي.
في دراسة لعابدون أقاو جوك نيال ، أحد الباحثين الجنوبيين في الشئون الأفريقية والتي يتبنى فيها وجهة نظر بعض النخبة الجنوبية ، تساؤلات حول العرقية والإسلام السياسي في السودان وانعكاساتهما على التكامل القومي . يرى الباحث أن الساسة الشماليين يقللون من دور العرقية في السياسات الشمالية المتداخلة ، لأن الإسلام والإيديولوجيات السياسية الحديثة وفرت السياق التي دارت فيه هذه السياسات ، إلا أن هذه السياسات تكون عرضة للمشاعر العرقية عندما تتحول إلى سياسات شمالية – جنوبية(37). إلا أن الباحث يعود مرة أخرى للحديث عن العرقية في السياسات الشمالية ، والتي بدأت تتبلور، حسب رأيه ، على حساب الولاءات السياسية في السودان الشمالي في الآونة الأخيرة . يرى ذلك في نزوع بعض الناخبين في بعض الدوائر الانتخابية في غرب السودان إلى انتخاب ممثليهم من أبناء المنطقة بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية السابقة . ويرى أنه في الوقت الذي يشهد فيه الشمال مثل هذه التوجهات العرقية ، فإن الجنوب الذي يتشكل أساساً من تركيبات قبلية ، تتوحد في إطار الاعتراف بمنحدرهم الأفريقي وفي إطار الصراع العرقي والديني والسياسي بين الشمال والجنوب(38). ولعل مما يؤكد هذه الرؤية في الوقت الراهن، ما يدور في الولايات الشمالية من صراع حول منصب الوالي وجذوره القبلية ، وإصرار كل مجموعة قبلية على حيازة المنصب بغض النظر عن الكفاءة الإدارية رغم عدم اكتراث القيادة السياسية بمثل هذه الصراعات .
خلاصة المعالجات الموضوعية :
نستخلص من هذه الدراسات التي ركزت على العوامل الموضوعية النقاط التالية :
1/ رغم وجود أرضية مشتركة للتجارب التاريخية في السودان لمعظم الأقوام السودانية الحالية، فإن معظم الباحثين الشماليين يركزون في أبحاثهم على التاريخ العربي الإسلامي في السودان .
2/ يرى الباحثون الإسلاميون في الدين الإسلامي عامل وحدة للأقوام السودانية ، بينما يرى فيه آخرون تحدياً للديانات الأخرى عندما يتحول الإسلام إلى لغة سياسية .
3/ تختلف وجهات النظر حول أهمية اللغة العربية وتمددها على أقاليم السودان كلغة رسمية مع انحسار اللغات المحلية كمؤشر من مؤشرات التجانس القومي والوحدة الوطنية .
4/ يظل العامل الاقتصادي سلاحاً ذا حدين في بناء الوحدة الوطنية. التنمية الاقتصادية المتوازنة بين أقاليم السودان مصدر هام من مصادر التكامل القومي ، بينما تعبر الفوارق الاقتصادية بين هذه الأقاليم عن الأحقاد التي تفضي إلى التشتت والصراع القومي .
5/ رغم عدم وجود ما يؤكد النقاء العرقي لأي مجموعة سودانية ، فإن هناك سلوكاً عرقياً لدى بعض المجموعات السودانية تتجاوز السلوكيات العرقية بين الشمال والجنوب إلى سلوكيات عرقية داخل المجموعات الشمالية وداخل المجموعات الجنوبية .
6/ لم تهتم هذه الدراسات بالجوانب الذاتية لأفراد المجتمع السوداني وما تتضمنه من قيم ومشاعر وسلوك تنبع عن شخصياتهم وتتبلور في مواقف ظرفية تعبر عن اتجاهاتهم نحو الوحدة القومية .



 توقيع : د. عبدالوهاب الزين


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 01:10 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
         سعودية هوست للاستضافه والتصميم والدعم الفني


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة 2007م-منتديات أبناء جزيرة بدين -/ الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع بل رأي كاتبها