قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الرابعة - منتديات أبناء جزيرة بدين

 

 



 عدد الضغطات  : 7213

 عدد الضغطات  : 6984



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
#1  
قديم 08-19-2010, 01:29 AM
Image Hosted by
د. عبدالوهاب الزين غير متصل
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل : Dec 2008
 فترة الأقامة : 3955 يوم
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم : 14
 معدل التقييم : د. عبدالوهاب الزين is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الرابعة



أسس التوجهات القومية والانتماء الوطني


في هذه الحلقة والحلقات التالية سيتم تناول العوامل الذاتية المرتبطة بالنفس السودانية والتي لا يمكن أن تكتمل الوحدة الوطنية في السودان دون ترقيتها وتمثيلها على أرض الواقع فبدون توجهات نفسية وطنية لن تجدي المعالجات الموضوعية،،،

تمهيد :
بجانب العوامل الموضوعية المتمثلة في وحدة اللغة والعرق والدين،ه ناك عوامل ذاتية ترتبط بشخصية الفرد وتؤثر في بنية الكيان القومي والانتماء الوطني وتعمل بعض هذه العوامل على تشكيل اتجاهات إيجابية نحو الانسجام القومي وخلق ذات قومية بغض النظر عن الفوارق الموضوعية. إن ترقية الذات القومية تتضمن النظر في مشاعر الناس وسلوكهم ورغباتهم وقوة إرادتهم في قبول بعضهم البعض تحت ظروف معينة . ولأن الحديث عن مثل هذه الجوانب السلوكية والوجدانية يتضمن التطرق إلى جوانب غير ملموسة بالنسبة للباحثين، فإنهم غالباً ما يلجأؤن إلى الدراسات الميدانية لاستبيان السلوك الفعلي للأفراد تجاه بعضهم البعض، وكيفية تطور هذا السلوك، ودور العمليات العقلية والعاطفية المرتبطة بالظرف المكاني والزماني في تشكيل اتجاهاتهم. وقد تناول هذا الأمركثير من الباحثين من أمثال ليندا ديفيدوف(مدخل علم النفس الاجتماعي،1977) ، ومريم سليم ( علم تكوين المعرفة، 1985)، ومصطفى سويف ( مقدمة لعلم النفس الاجتماعي،(1983) ، Fisher,S.T., & Talylor, (Social Cognitionm,1991) Piaget, G.,& Inhelder, B.,( The Grawth of of
the ogical Thinking from Childhood to Adolescence, 1958)*وينقسم هؤلاء الباحثون في مداخلهم لمثل هذه الدراسات إلى تيارين حسب نظريتين مختلفتين:
1/ النظرية المعرفية
يري المتبنون لهذه النظرية أن سلوك الناس وتوجهاتهم نحو بعضهم البعض انعكاس لسلسلة من المعلومات والمعارف التي تتراكم تدريجياً وتتحول إلى اعتقاد يحدد اتجاهاتهم . وليكون السلوك إيجابياً لابد من إيجابية مصادر هذه المعلومات
_____________________
*أنظر هذه المراجع في قائمة المصادر والمراجع في هذه الدراسة..


والمعارف التي تشكل القاعدة السلوكية. واعتماداً على هذه النظرية ولتكون سلوك السودانيين واتجاهاتهم إيجابية نحو بعضهم البعض ، تدعو هذه الدراسة إلى إعادة قراءة تاريخ السودان كمصدر من مصادر المعلومات التي تساعد على ترقية السلوك القومي .
2/ النظرية الميكانيكية :
يفسر سلوك الأفراد وفق النظرية الميكانيكية التي ترتبط بنظريات المثير والاستجابة والتي تتطور بموجبها العادات التي تستقر بناءاً على التعزيز الذي يقوم بدعم هذه العادات والتي تدخل بدورها ضمن مكونات اتجاهات الأفراد نحو بعضهم البعض ونحو المجتمع الكلي. ومن هنا ترى الدراسة ووفقاً لهذه النظرية ضرورة وجود أسس حركية من ضمنها التداخلات السكانية للعمل على تعزيز العادات التي تعمل على تنمية التوجهات القومية في أوساط السودانيين .
تعريف الاتجاهات القومية:
إن مصطلح "التوجهات القومية " يتكون من مقطعين . وللوصول إلى فهم صحيح للمصطلح، ينبغي تعريف كل مقطع تعريفا علمياًً دقيقاً. لذلك سنتناول أولاً تعريف كلمة "التوجهات" حسـب المساهمات التي قدمها بعض المختصين في هذا الشأن. فمصطلح الاتجاهات قد استخدم أول ما استخدم في كتابات علماء النفس بالاتجاهات أوالتوجهات القومية.
ربما يكون هربرت سبنسر، حسب ما يؤكده مصطفى سويف، هو أول من استخدم هذا المصطلح في كتابه "المبادئ الأولى" الذي صدر عام 1862 م يذكر سويف أن سبنسر أورد في كتابه نصاً تعريفياً للمصطلح جاء فيه، " إن وصولنا لأحكام صحيحة في مسائل مثيرة للجدل ، يعتمد على اتجاهنا الذهني ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه (1)". ورغم ما يبدو على هذا التعريف من بساطة ، إلا انه يتضمن بعضاً من عناصر الاتجاه ومكوناته . فهو يشير في هذا النص التعريفي إلى ما يعرف بالمكون المعرفي (cognitive component)عند حديثه عن الاتجاه الذهني وإعمال الفكر اللازم لتقييم موضوع الاتجاه للوصول إلى أحكام صحيحة. وهو عنصر الاتجاه الذي تبناه التيار الأول من الباحثين في استبيان سلوك الأفراد واتجاهاتهم . كما وانه يشير إلى تأثير المحيط أو البيئة بقوله " ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه". إن المكون المعرفي واحد من العناصر الثلاث التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة عند قياس الاتجاهات القومية لدى المبحوثين. إلا أن هذا التعريف تجاهل عنصر التأثير(affect component) الذي يثير العواطف ويدفع الناس إلى اتخاذ موقف معين تجاه الموضوع المطروح و"المثير للجدل "كما يقول. كما أننا لا نجـد في هذا التعريف المكون السـلوكي(behavioral component ) المعبر عن الطريقة العملية للاستجابة لموضوع الاتجاه بالقبول أو الرفض.
في عام 1918 قام كل من توماس وزنانيكي(F. Zananieki & W. Thomas) بدراسة عن أثر الاغتراب على قيم واتجاهات الفلاح البولندي المغترب. وقدما من خلال دراستهما مفاهيم جديدة لمصطلح الاتجاهات وإمكانية قياسها لمعرفة مواقف الأفراد تجاه المسائل الاجتماعية والسياسية والنفسية. وقد عرفا الاتجاه بأنه "الموقف النفسي للفرد حيال إحدى القيم أو المعايير(2)". ووفقاً لهذا التعريف، هناك اقتران بين الموقف والاتجاه. إلا أن الموقف حسب التعريفات الأخرى، يعتبر مكوناً واحداً من مكونات الاتجاه المعبر عن الموقف العقلي أو الموقف الاستجابي لموضوع الاتجاه . كما وأنهما تحت تأثيرهما بدراسة أنماط القيم في الريف البولندي وتأثير الهجرة على تلك القيم ، حددا موضوع الاتجاه في القيم والمعايير. هذا التحديد يعطي حكماً مسبقاً لموضوع الاتجاه بأنه يتسم بالقيمية والمعيارية، ويلغي بذلك رؤية المبحوث الشخصية والخاصة في تقييم موضوع الاتجاه. فليست موضوعات الاتجاهات كلها قيماً ومعايير، وإلا استوجبت بضرورتها القيمية والمعيارية سلوكاً إيجابيًا ، وانتفت بذلك الاتجاهات السلبية ولما تعارضت الاتجاهات مع القيم. وبالمثل لو طبقنا هذا التعريف على الاتجاهات القومية أو السياسية سنجد أن كل الموضوعات القومية أو السياسية موضوعات قيمية ملزمة للكل بقبولها القيمي ، مما يعني اتساق وتوافق كل الاتجاهات مع موضوعاتها التي تعتبر قيماً حسب هذا التعريف. وهذا أمر يتنافى مع وجود الاتجاهات المتباينة تجاه الموضوعات القومية والسياسية. ولا يتسق ذلك إلا في حالة تفسير القيم والمعايير بقابليتها السلبية والإيجابية.
مع الدراسات الكثيرة التي ركزت على موضوعات الاتجاهات ، بدأت مفاهيمها تتضح أكثر . فنجد بوجاردس (Bogards) يقدم تعريفاً للاتجاهات بأنها "نزعة نحو أو ضد بعض العوامل البيئية، وتصبح هذه النزعة قيمة إيجابية أو سلبية"(3). وهو بتعريفه هذا يقوُم التعريف السابق، بإشارته إلى إيجابية أو سلبية القيمة. ومع استمرار الباحثين في تقديم مساهماتهم التعريفية ، تطورت مفاهيم الاتجاهات لتدخل حيز البحوث العملية في كثير من الدراسات الإنسانية . وضمن هذه التطورات نجد روكيتش ( M. Rokeach) يضيف عنصراً جديداً في تحديد طبيعة الاتجاهات من حيث اكتسابيتها من فطريتها، وراثيتها من تعلمها، من النظر إليها من منظور بيولوجي أو منظور اجتماعي خاصة(4). وبتطبيق وجهة نظر روكتش الخاصة على مفهوم الاتجاهات القومية سنجد أن الاتجاهات القومية، عبارة عن تنظيم مكتسب يتميز بالاستمرارية والديمومة والتوافق حين ينسجم معتقدات الفرد القومية مع موقفه من فكرة يستجيب لها استجابة خاصة. ورغم هذه الإضافة الجديدة ، إلا أن مما يؤخذ على هذا التعريف، فكرة استمرارية الاتجاهات القومية وديمومتها بشرط انسجام الموقف مع الفكر. إن توافق الفكر مع الموقف قد يعني التوافق النفسي للمبحوث وقد لا يعني هذا التوافق استمرار اتجاهه وديمومته حسب توافقه النفسي مع موضوع الاتجاه. فالواقع أن الكثير من الاتجاهات القومية تعدل وتغير رغم توافر شرط التوافق النفسي والانسجام الفكري نتيجة لعوامل أخرى خارجية تؤثر في اتجاهات الناس وسلوكهم كما هي الحال عند ممارسة الضغط الإعلامي والسلطوي لتوجيه الناس وتغير اتجاهاهم لأهداف مخططة . ويضيف ميرتون (R.K.Merton) إلى التعريفات السابقة البعد الاجتماعي وتأثير الأفكار والمعتقدات السائدة في المجتمع على سلوك الناس ومواقفهم. ويضرب مثلاً لتوضيح ذلك بمثل الأمريكي الأبيض الذي لا يكن نظرة معادية للزنوج ، إلا أنه يرى ضرورة عدم انضمامهم إلى الاتحادات النقابية(5). وهو بتأكيده على عنصر البعد الاجتماعي وتأثيراته، يكمل النقص الذي أشرنا إليه في التعريف الذي قدمه روكيتش .
في دراسة حديثة عن تغيير الاتجاهات ، أورد ريتشارد بيتي(E.R.Petty)من جامعة اوهايو تعريفاً يضيف إلى التعريفات السابقة أهمية العنصر الوراثي في تحديد اتجاهات الأفراد وذلك على النقيض من وجهة نظر روكيتش الذي ركز على الجانب الاكتسابي. وبين أن تقييم الناس لموضوعات الاتجاهات يختلف حسب اختلافات الناس في المكونات البيولوجية للإحساس ، وأن مثل هذه الاختلافات فطرية يصعب تعديلها نظراً لصعوبة تعديل المكونات الوراثية للإحساس(6).
أورد معجم علم النفس والتحليل النفسي تعريفاًً يمكن استخدامه كمؤشرات أو كمقاييس أو كتعريفات إجرائية ، وهو نفس التعريف الوارد بدائرة المعارف البريطانية . فقد جاء فيهما أن "الاتجاه" تكوين فرضي لا يمكن ملاحظته مباشرة ولكن يستدل عليه من خلال السلوك الملاحظ أو الاستجابة اللفظية التي تعكس الرأي . والاتجاه استعداد لتصنيف الأشياء والأحداث والاستجابة لها مع درجة من التوافق التقييمي . وتصنف الاستجابات بدرجات تتراوح بين الإيجاب والسلب(7) (اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو السود أو نحو الأغنياء أو نحو اليهود أو نحو العرب ..الخ )
فيما يختص بتعريف المقطع الثاني ،أي كلمة " القومية " ، فإنها لا تعني في هذه الدراسة مذهباً سياسياً كحركة القومية العربية القائمة على زعم وحدة العرق واللغة والتاريخ والمصير المشترك. ولكن ما نعنيه هي القومية الوطنية (Patriotism) القائمة على وحدة الوجدان للشعوب المكونة للدولة الوطنية وأشواقها للأرض التي تضمها واستعدادها لقبول بعضها البعض بغض النظر عن تلك العوامل الموضوعية التي قد تتضمنها الدولة القومية، وقد لا تتضمن إلا بعضاً منها. فقد تتشكل الدولة الوطنية من قوميات صغيرة مختلفة وغير متجانسة تكُون في مجموعها أمة واحدة كما هي الحال في ما نعنيه بالقومية السودانية أو الأمة السودانية. وما نعنيه هنا بالقومية السودانية هي مجموع الأجناس المنتمين للأرض السودانية والمتمتعين قانونا بحقوق الجنسية والمواطنة سواء كانوا داخل الحدود السودانية في الوقت الحالي أو خارجه. ومن هذا المنطلق ، فإن ما نعنيه بالتجانس القومي في السودان هو تكامل القوميات السودانية بمختلف تعددياتها في إطار الدولة السودانية التي أصبحت واقعاً ومصيراً لكل هذه القوميات . ومن هنا فإن ما نعنيه بالتوجهات القومية أو الاتجاهات القومية هي تلك المسائل المتعلقة بما يلي :
- رغبة السودانيين وإحساسهم ومشاعرهم ونواياهم المعززة بالمعرفة والإدراك في تقاسم الحياة في ظل الدولة السودانية الموحدة مشكلين بذلك أمة متكاملة بجميع تعددياتها .
- الظروف المؤدية إلى السلوك الفعلي للمواطنين السودانيين المتأثر بدوره بالخبرات والتجارب المتوارثة وبأساليب التنشئة الاجتماعية وبنظم الاعتقادات السائدة في البيئة التي يتواجدون فيها .
- المواقف الإيجابية من القضايا التي تعزز تكامل الأمة السودانية وتؤدي إلى كمال الوحدة الوطنية .
هذه العناصر الثلاثة (التهيؤ المعرفي للمضامين الإيجابية للتكامل القومي، الاستعداد الوجداني والعاطفي لقبول الآخر والسلوك على هذا الأساس، والمواقف الإيجابية تجاه الآخرين)، هي المعايير التي تحدد تقدير الموقف الإيجابي من القضايا القومية والوحدة الوطنية وتعمل على خلق الذات القومية. وهي ذات العناصر التي اتخذناها كمؤشرات لمعرفة الاتجاهات القومية . وعندما تتسق هذه العناصر وتتكامل على مقياس الاتجاهات ، ويكون أي من هذه العناصر دالة على العناصر الأخرى ،عندئذٍ نستطيع القول أن التوجهات القومية للشعب السوداني توجهات إيجابية. وأما في حالة وجود تناقض أو تنافر بين هذه العناصر، يكون الحديث عن التعصب العرقي أو الديني أو الإقليمي أو غير ذلك من إفرازات الخلل في تناسق المكونات الحقيقية للتوجهات القومية .

(1) أوردها : مصطفى سويف ، مقدمة لعلم النفس الاجتماعي ، مكتبة انجلو المصرية ، القاهرة ، 1983 ، ص 334 .

(2) المرجع السابق نفسه .

(3) عبد الرحمن عيسوي ، علم النفس الاجتماعي ، الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 1997 ، ص 144 ، نقلاً عن :
Brown, J.A.G., Techniques of persuasion from propaganda to brainwashing, 1968.


(4) أنظر : Rokeach , M. , Beliefs, attitudes, & values, San Francisco, Jessy-Bass, 1968, pp. 65-73.


(5) المرجع السابق، ص146 .


(6) أنظر : Petty, E.R., Attitude change, in: A. Tesser, Advanced social psychology, N.Y., McGraw-Hill, Inc., 1995, p.196.



(7) أنظر : فرج عبد القادر وآخرون ، معجم علم النفس والتحليل النفسي ، بيروت ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، ب.ت، ص 11. وأنظر كذلك : Britannica , Micropedia , Vol. 1, Encyclopedia Britannica, Inc., 1980, p. 687.





 توقيع : د. عبدالوهاب الزين


رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 01:33 AM   #2
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الرابعة



تشكيل التوجهات الوطنية
عند الحديث عن تشكيل الاتجاهات القومية، يتبادر إلى الذهن ثلاثة عناصر أساسية ترتبط ببعضها بعلاقات تأثيرية واضحة. هذه العناصر تتمثل في الفرد والمجتمع والخبرة التاريخية. الفرد منظور إليه باعتباره يكتسب خبراته الخاصة عبر مراحل نموه حسب تطور قدراته العقلية. فهو يدرك(perceives)، ويتعلم(learns) ويلتقط (takes in) ويكيف نفسه مع البيئة التي يعيش فيها. والمجتمع من جانب آخرممثلاً فينظامه الاجتماعي والسياسي وقنوات التنشئة المختلفة ، يوجه (directs)، ويعلم (educates)، ويلقن (inculcates)، ويمذهب(indoctrinates) ويعمل علي تشكيل اتجاهات الأفراد وفق معايير يحددها المجتمع وتفصلها قنوات التنشئة . وما بين توجهات الفرد وإيحاءات المجتمع تتدخل التجارب والخبرات السابقة المتمثلة في التقاليد المشتركة والعادات بتأثيراتها الواضحة في تشكيل الاتجاهات القومية ونموها .
قد يذهب بعض الباحثين إلى التركيز على دور الفرد في تشكيل اتجاهاته وخلق ذاته القومية باعتباره المسؤول عن نفسه في تنشئة نفسه بنفسه وتنمية وعيه القومي بأسلوبه الخاص في التفكير وذلك دون اعتبار لدور المجتمع والتجربة المشتركة. وعلى النقيض من هؤلاء ،هناك من يتبنون مقترباً آخر يسمى بمقترب التنشئة المعرفية(cognitive socialization approach) والذي يؤكد على أن معارف ومعلومات الفرد واتجاهاته ما هي إلا نتيجة مباشرة لتأثير المجتمع ونظم التنشئة المختلفة. وهؤلاء من جانبهم يشيرون إلى دور سلبي للفرد في تنمية توجهاته القومية ليكون مجرد جهاز مستقبل لتعليمات المجتمع(8). وقد أكد على دور المجتمع في تشكيل اتجاهات الأفراد كل من اميل دوركايم في كتابه "الصور الأولية للحياة الدينية،1912" وكارل منهايم فـي كتابه "الأيديولوجيا واليوتوبيا، 1936". وذهب كلاهما إلى أن المعرفة السياسية نتاج اجتماعي تنبثق من البناء الاجتماعي. وحسب هؤلاء، تتغلب مفاهيم التعليم والتلقين والتثقيف والتي تعبر عن فاعلية المجتمع على مفاهيم تعبر عن فاعلية الفرد ونشاطه الخاص في إعمال فكره وقدراته العقلية كالإدراك والتعلم والتكيف . يتناول عبد الهادي الجوهري بشيء من الانتقادات هذه الآراء التي تلغي دور الفرد في تشكيل ذاته ، ويقول أنها نتاج مباشر لوراثة التقليد الجمعي الذي يمثله سان سيمون وموقفه المعارض للأفكار الفردية عند هربرت سبنسر وأصحاب المذهب النفعي(9). فإن كانت وجهة النظر الأولى تقلل من دور المجتمع، وتلغي وجهة النظر الثانية إيجابية الفرد في تنمية اتجاهاته القومية وانتمائه الوطني، فإن كلا الرأيين لم يجانبهما الصواب. ذلك لأن كلاً من الفرد والمجتمع يعملان معاً بالتأثير والتأثر على تشكيل توجهات الأفراد وتنميتها.
من خلال إعمال الفكر، تتشكل لدى الفرد مجموعة من التصورات تجاه العديد من القضايا والموضوعات والمشكلات القومية. تتبلور تلك التصورات عبر عناصر الإدراك والتعلم لتترجم إلى اتجاهات تعبر عن سلوك الفرد الإيجابي أو السلبي تجاه تلك القضايا والمشكلات. إلا أن الفرد يدرك ذاته من خلال تفاعله مع الآخرين. وان أفكاره التي تعمل على تشكيل اتجاهاته – كما يقول هورتون كولي(C.H.Cooley)– لا تنبع من تأمل قدراته الشخصية فحسب، بل كذلك من انطباعاته عن نظرة الناس والمجتمع إليه وإلى أفكاره "فذواتنا ما هي إلا انعكاسات تنتج من تفاعلنا مع المجتمع الذي نعيش فيه"(10). وهو يعبر بذلك عن التفاعل بين الفرد والمجتمع ويستنكر أن يكون الفرد والمجتمع ضدين متقابلين أو قطبين متعارضين، بل إن النظرة الكاملة إلى الفرد تدخل في حسابها المجتمع، والنظرة إلى المجتمع تدخل في حسابها جميع الأفراد(11).
يعمل المجتمع بآلياته السياسية ومؤسساته التعليمية والتربوية على خلق نوع من الملائمة والتوافق بين مختلف الاتجاهات وفقاً للقيم والمثل العامة السائدة في البيئة الاجتماعية. ومتى ما تمكن المجتمع من خلال آلياته السياسية والاجتماعية من خلق اتجاهات متسقة على المستوى الكلى (Macro level)، ينبثق السلوك السياسي والاجتماعي المتسق والذي يعمل بدوره علي تثبيت واستمرارية بنية النظام الاجتماعي والسياسي. لهذا تقوم النظم السياسية والاجتماعية بدور هام في تنمية التوجهات وتشكيلها من خلال عمليتي التنشئة الاجتماعية والسياسية .


(8) أنظر : Fisher , S. T., & Taylor, S.E., Social cognition, (2nd ed.), N.Y., McGraw-Hill, Inc., 1991, p.89.

(9
) عبد الهادي الجوهري ، قاموس علم الاجتماع ، الإسكندرية ،المكتب الجامعي الحديث ، 1998، ص ص 168،169.

(10)Cited in: Petty, R.E., Op. Cit., p.195.

(11)Cooley, C.H., Human nature and the social order, N.Y., C. Scribner’s, 1902, pp 42,43.


 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 02:46 AM   #3
Image Hosted by


الصورة الرمزية kamalkuna
kamalkuna غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1545
 تاريخ التسجيل :  Feb 2009
 أخر زيارة : 03-29-2015 (11:05 PM)
 المشاركات : 4,304 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الرابعة




رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير ..
أستاذنا الدكتور عبد الوهاب الزين لم نكن نريد أن نستبق الحلقات وكان الأجدر بنا أن ننتظر إكتمال الطرح ونتفق معكم في أن الأمة السودانية المتعددة الإثنيات والثقافات والديانات لا يعزز قوميتها سوا الإنتماء لهذه الأرض وقبول الآخر لتتكامل القوميات المختلفة في أمة واحده تنتمي لهذه الأرض .. ولما كان الإنتماء للأرض هو المصوغ الأول للوحدة فقد وجب تقنين ذلك في المواطنة ذات الحقوق والواجبات المتساوية والقوانين التي تحفظ لكل منتمي لهذا الوطن حرياته وحقوقه دون وازع من إملاءعرقي و ديني و ثقافي أو توجه سياسي وحزبي.

ربما كان الوقت متأخراً كثيراً علي هكذا طرح وقد لا يسعفنا السباق المحموم ضد عقارب الساعة في إرساء دولة المؤسسات الديمقراطية والحكم الرشيد ولكن حتماً هناك متسعاً لتجاوز حالة الطوارئ المزمنه وتفعيل بنود الدستور وإتفاقية نيفاشا المكملة للدستور عودا للديمقراطية الحقيقية وليس للمسخ المشوه الذي إصطنعناه تمكيناً للسلطة أو مراضاة للغرب


 
 توقيع : kamalkuna

كم جميلا لو بقينا أصدقاء
10/10/2010
لعيون الطفولة


رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 09:05 PM   #4
Image Hosted by


الصورة الرمزية د. عبدالوهاب الزين
د. عبدالوهاب الزين غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1217
 تاريخ التسجيل :  Dec 2008
 أخر زيارة : 02-28-2016 (01:04 AM)
 المشاركات : 1,336 [ + ]
 التقييم :  14
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي مشاركة: قضية الوحدة الوطنية في السودان الحلقة الرابعة




الأخ العزيز الأستاذ المفكر كمال رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير
أولاَ أشكرك على إطلاعك على العرض والحلقات ستتوالى كمرجع من مراجع هذا المنتدى وأنا على ثقة بأن الطرح جديد على ساحة المعالجات التي طرحت من الفاعلين الوطنيين في السودان لكمال الوحدة الوطنية وخلق السودان الأمة ولا أشك أن الطرح قد يفيد كثيرا من الباحثين كمرجع أصيل من مراجع هذا المنتدى الذي أدين له ولا أستطيع أن أرد له ما قدمه من وفاء وتكريم ،، أقله أن أسجل له صوت شكر من خلال هذه الحلقات وباعتبار هذا المنتدى العملاق يتبوأ حالياً واحداً من أعظم المنتديات العربية بفضل قيادتكم الرشيدة وبفضل كتابه المميزين، وأعدكم بأنني كرد للجميل سأطرح كل أفكاري هنا ما دمت قادراَ على العطاء.
ثانياَ: أخي كمال اتفق معك تماماً أن الإنتماء للأرض هو المصوغ الأول للوحدة فقد وجب تقنين ذلك في المواطنة ذات الحقوق والواجبات المتساوية والقوانين التي تحفظ لكل منتمي لهذا الوطن حرياته وحقوقه دون وازع من إملاءعرقي و ديني و ثقافي أو توجه سياسي وحزبي.
وما طرحت أنت لا يخرج عن إطار المعالجات الموضوعية التي تناولناها في إحدى الحلقات.

ربما كان الوقت متأخراً كثيراً علي هكذا طرح وقد لا يسعفنا السباق المحموم ضد عقارب الساعة في إرساء دولة المؤسسات الديمقراطية والحكم الرشيد ولكن حتماً هناك متسعاً لتجاوز حالة الطوارئ المزمنه وتفعيل بنود الدستور وإتفاقية نيفاشا المكملة للدستور عودا للديمقراطية الحقيقية وليس للمسخ المشوه الذي إصطنعناه تمكيناً للسلطة أو مراضاة للغرب
ربما المطروح في هذه الحلقات أكبر من مجرد رؤية للوضع الراهن بل يتجاوز الحاضر إلى مستقبل قادم في تاريخ السوداني ويتجاوز موضوع الحنوب إلى كل السودان فيما هناك تهديد مباشر من الذات قبل الآخر ما لم تتم معالجة الوضع من مختلف زوايه الموضوعية والذاتية،، لك تحياتي



 
 توقيع : د. عبدالوهاب الزين



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 08:50 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
         سعودية هوست للاستضافه والتصميم والدعم الفني


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة 2007م-منتديات أبناء جزيرة بدين -/ الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع بل رأي كاتبها